قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤٠ - ذكر صوم الخصوص من الموقنين
ذكر صوم الخصوص من الموقنين: اعلم وفقك الله تعالى أن الصوم عند الصائمين هو صوم القالب فأما صوم الخصوص من الموقنين فإن الصوم عندهم هو صوم القلب عن الهمم الدنية و الأفكار الدنيوية ثم صوم السمع و البصر و اللسان عن تعدي الحدود و صوم اليد و الرجل عن البطش و السعي في أسباب النهي. فمن صام بهذا الوصف فقد أدرك وقته في جملة يومه و صار له في كل ساعة من نهاره وقت و قد عمر يومه كله بالذكر. و لمثل هذا قيل: نوم الصائم عبادة و نفسه تسبيح و قد قرن الله عزّ و جلّ الاستماع إلى الباطل و القول بالإثم إلى أكل الحرام و لو لا أن في المسموعات و المقولات حراما على المستمع و الإصغاء إليه و حراما على القائل النطق به ما قرنهما إلى أكل الحرام و هو من الكبائر. فقال تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ. و قال سبحانه و تعالى: لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ [المائدة: ٦٣]. فالعبد الحافظ لحدود الله عزّ و جلّ إن أفطر بالأكل و الجماع فهو صائم عند الله في الفضل للأتباع و من صام عن الأكل و الجماع و تعدى الحدود و أضاع فهو مفطر عند الله عزّ و جلّ صائم عند نفسه، لأن ما أضاع أحب إلى الله عزّ و جلّ و أكثر ممّا حفظ. و مثل من صام من الأكل و أفطر بمخالفة الأمر بسائر الجوارح مثل من مسح كل عضو من أعضائه في وضوئه ثلاثا ثلاثا ثم صلّى فقد وافق الفضل في العدد إلا أنه تارك للفرض من الغسل فصلاته مردودة عليه لجهله و هو مغتر بفعله و مثل من أفطر بالأكل و صام بجوارحه عن النهي مثل من غسل كل عضو من أعضائه في وضوئه مرة مرة فهو تارك للفضل في العدد إلا أنه مكمل للفرض محسن في العمل فصلاته متقبلة لأحكامه للأصل و لعمله بالعلم، و مثل من صام من الأكل و الجماع و حفظ جوارحه عن الآثام كمثل من غسل كل عضو ثلاثا ثلاثا فقد تمم الفرض و أحسن بتكملة الفضل فهذا كما قال تعالى تماما على الذي أحسن. و كما قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم في الوضوء. كذلك هذا وضوئي و وضوء الأنبياء من قبلي و وضوء أبي إبراهيم عليه السلام و قد قال الله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [الحج: ٧٨] أي عليكم بها فائتموا و اقتدوا به فيها. و قد روينا عن النبي صلّى الله عليه و سلّم: الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر. و جاء في الخبر أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلّى الله عليه و سلّم فأجهدهما الجوع و العطش في آخر النهار حتى كادتا أن تتلفا فبعثتا إلى رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يستأذناه في الإفطار فأرسل إليهما قدحا و قال: قل لهما قيئا فيه ما أكلتما قال: فقاءت إحداهما نصفه دما عبيطا و لحما عريضا و قاءت الأخرى مثل ذلك حتى ملأتاه. فعجب الناس من ذلك فقال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: هاتان صامتا عما أحل الله عزّ و جلّ