قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩٩ - ذكر المقام السابع من مشاهدة الموقنين
ذكر المقام السابع من مشاهدة الموقنين. اعلم أن ما ذكرناه من تدارك الأوقات خوف فوتها ليس هو بتمني مكان دون مكان و لا هو بانتظار وقت ثان الذي هو في الأصل فكر الوقت الذي هو فيه و لا توقع حال سوى الحال الذي هو يليه إنما هو صوم يوم أو قيام ليلة أو ذكر في ساعة أو جمع هم عن شتات قلب أو قطع لأثر في خطر و يكون ذلك أيضا غض طرفه و صون سمعه و كف يده و حبس قدمه و صمتا عن كلمة دنية و ترك لقمة شهية و نقصانا من قوت و زيادة جوع للمقيت و أمرا بكلمة رشيدة و نهيا عن فعلة دنية و عقد نية حميدة و حل نية ذميمة و تجديد توبة و إعمال قلب في فكرة و إخراج سوء ظن و اعتقاد حسن ظن و استقامة و صحة عزم في قصد و تسببا إلى ما يقوي العزم و معونة على برّ و تقوى، و هذا كله يكون في الوقت و يحدثه في الحال لا يسوف به و لا ينتظر منه و لا يتوقعه في وقت ثان و لا يؤخر إلى زمان دون وقته و لا يتربص به في مكان دون مكان فهذا هو التدارك للأوقات في وقتك الذي أنت فيه خشية فوت الوقت فيحصل على التسويف و التمني أو في الانتظار و التراخي، فهذه من جنود إبليس يقطع بها المريدين و هو مقام المغترين و أحوال البطالين الذين وكلوا إلى أنفسهم و تركوا مع هواهم و لم يتداركوا في أحوالهم و لم يقدموا لغدهم نسوا الله فنسيهم و الوقت إذا انقضى فقد. و لم يوجد إلى يوم القضاء و الساعة إذا مرت طويت فلم تنشر إلى يوم النشور و إنما ينشر مثلها و يخلق شبهها فإذا أيقن العقد علم أن عمره كله يوم و أن يومه كله ساعة و أن ساعته كلها وقته الآن و أن وقته حاله و أن حاله قلبه فأخذ من حاله لقلبه ما يقرّ به إلى مقلبه بنهاية عمله. فعمل أفضل ما دل علمه عليه و ما ندبه مولاه إليه و مما يجب أن يفجأه عليه فيكون ذلك خاتمة عمله الذي يلقى مولاه به ثم أخذ من وقته لحاله ما يصلح حاله لقلبه و يقوي قلبه و يخلصه لربه و أخذ من ساعته لوقته ما يزين به حاله عند ربه و أخذ من يومه لساعته صلاحه فيها و حاجته إليها و أخذ من شهره ليومه فكان شهره يومه و كان يومه ساعته فشغله وقته عن ساعته و شغله حاله عن وقته فكان على هذا مراعيا لوقته محافظا على حاله قائما على نفسه جامعا لهمه محصيا لأنفاسه مراقبا لرقيبه مجالسا لحبيبه لا يخرج عنه نفس في أدنى وقت إلا في ذكر لمذكور أو شكر على نعمة لمنعم أو صبر في محبة عتيدة أو رضا عند شدة شديدة و يكون في ذلك كله ناظرا إلى الرقيب مصغيا إلى القريب سائحا إلى الحبيب لا ينظر إلا إليه و لا يعكف إلا عليه و قد جعل العمر يوما و اليوم ساعة و الساعة وقتا و الوقت حالا و الحال نفسا و النفس مراقبة و المراقبة مواجهة فتوجه في وجهته فلم ينثن و ساح في قربه فلم ين فكان من الإيمان على مزيد و من اليقين في تجديد و أعطي من الحياة