قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٧٣ - ذكر من روى عنه أنه أحيا الليل كله
تعالى في النوم فسمعته يقول: و عزتي و جلالي لأكرمن مثوى سليمان التيمي فإنه صلّى الغداة بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة. و يقال إنه كان مذهبه أن النوم إذا خامر القلب وجب الوضوء. ذكر من روي عنه أنه أحيا الليل كله و من اشتهر بإحياء الليل كله و صلّى الغداة بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة أو ثلاثين سنة حتى نقل عنه ذلك أربعون من التابعين منهم: سعيد بن المسيب و صفوان بن سليم المدنيان و فضيل بن عياض و وهيب بن الورد المكيان و طاوس و وهب بن منبه اليمانيان و الربيع بن خيثم و الحكم بن عيينة الكوفيان و أبو سليمان الداراني و علي بن بكار الشاميان و أبو عبد الله الخواص و أبو عاصم العباديان و حبيب أبو محمد و أبو جابر السلماني الفارسيان و مالك بن دينار و سليمان التيمي و يزيد الرقاشي و حبيب بن أبي ثابت و يحيى البكاء البصريون و كهمس بن المنهال. و كان يختم في الشهر تسعين ختمة و ما لم يفهم رجع فقرأه مرة أخرى و أيضا من أهل المدينة أبو حازم و محمد بن المنكدر في جماعة يكثر عددهم. هؤلاء المشهورون منهم، فإن أحب المريد نام ثلث الليل الأول و قام نصفه و نام سدسه الأخير، و إن أراد نام نصف الليل و قام ثلثه و نام سدسه. فقد روي أن هذا من أفضل القيام و إنه كان قيام نبي الله عزّ و جلّ داود عليه السلام. جاء ذلك في روايتين و إن أحب العبد قدم القيام فيهما و أخر وتره إلى السحر فإن قام نصف الليل قسم نومه في أوّل الليل و آخره فإن قام ثلث الليل نام سدسه الأخير و إن اختار أن يقوم من أول الليل حتى يغلبه النوم ثم ينام ثم يقوم متى استيقظ ثم ينام متى غلبه النوم ثم يقوم آخر الليل فيكون له في الليل نومتان و قومتان فهذا من مكابدة الليل و هو من أشد الأعمال و هذه طريقة أهل الحضور و اليقظة و أهل التذكار و التذكرة فقد كان هذا من أخلاق رسول الله صلّى الله عليه و سلّم. قال أنس ابن مالك ما كنت تريد أن ترى رسول الله صلّى الله عليه و سلّم نائما إلا رأيته و لا كنت تريد أن تراه قائما إلا رأيته و كان هذا مذهب ابن عمر و أولي العزم من الصحابة في قيام الليل و فعله جماعة من التابعين. و قد رأينا من كان له في الليل قومات و نومات في تضاعيف ذلك، فإما أن يكون المنام و القيام موزونا عدلا فليس ذلك إلا لنبي بقلب دائم اليقظة و بوحي من الله عزّ و جلّ و لا يسلك هذا الطريق إلا بأسباب هي زاده لأن كل طريق يقطع بزاد مثله فمن أراده احتقب و أخذ من زاده فالأسباب أحدها هم يلزم القلب و حزن يسكن فيه أو يقظة دائمة يحيا بها القلب و فكر في الملكوت متصل و خلو المعدة من الطعام و قلة الشرب و أن يقيل بالنهار و لا يكثر تعب جوارحه في أمر الدنيا فهذه رياضة المريد إلى أن يألف القيام و ليستوطن حينئذ