قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٥٤ - نوع آخر من الاستدلال على فضل الصابر و تفضيل الصبر جملة
فأكرم و أتقى فوق أن يقال كرامكم المتقون لأن أكرم و أتقى يدل على تفاوت. فمن كان أتقى كان أكرم عند الله سبحانه و تعالى، و من كان أصبر على ما يوجب التقوى كان أتقى. و اعلم أن الصبر سبب دخول الجنة و سبب النجاة من النار لأنه جاء في الخبر: حفّت الجنة بالمكاره و حفّت النار بالشهوات فيحتاج لمؤمن إلى الصبر على المكاره ليدخل الجنة و يحتاج إلى الصبر عن الشهوات لينجو من النار. فأما تفصيل التفضيل فعلى ثلاثة أوجه، أحدها: أن المقامات أعلى من الأحوال، و قد يكون الصبر و الشكر حالين، و قد يكونان مقامين. فمن كان مقامه الصبر كان حاله الشكر عليه فهو أفضل لأنه صاحب مقام، و من كان مقامه الشكر كان حاله الصبر عليه فحاله مزيد لمقامه فقد صار الصبر مزيدا للشاكر في مقامه. الوجه الثاني من التفضيل: المقربون أعلى من أصحاب اليمين فالصابرون من المقربين أفضل من الشاكرين من أصحاب اليمين و الشاكرون من المقربين أفضل من الصابرين من أصحاب اليمين فإن قيل: فإن كان الشاكر و الصابر من المقربين فيهما أفضل قيل: فقد قلنا إن اثنين لا يتفقان في مقام من كل وجه لانفراد الوجه بمعاني لطائف اللطيف بمثل ما انفردت الوجوه بلطيف الصنعة مع تشابه الصفات و استواء الأدوات، فأفضلهما حينئذ أعرفهما لأنه أحبهما إلى الله تعالى و أقربهما منه و أحسنهما يقينا لأن اليقين أعزّ ما أنزل الله تعالى. وجه آخر من بيان التفضيل نقول: إن الصبر عمّا يوجب الشكر أفضل و إن الشكر على ما يوجب الصبر أفضل. فقد يختلف باختلاف الأحوال تفسيره أن الصبر عن حظ النفس و عن التنعّم و الترفّه أفضل إن كان عبدا حاله النعمة فالصبر عن النعيم و الغنى مقام في المعرفة و هو أفضل لأن فيه الزهد المجمع على تفضيله. و نقول إن الشكر على الفقر و البلاء و المصائب أفضل إن كان عبدا حاله الجهد و البلاء فالشكر عليه مقام له في المعرفة فهو حينئذ أفضل لأن فيه الرضا المتفق على فضله. نوع آخر من الاستدلال على فضل الصابر و تفضيل الصبر جملة الصابر العارف أفضل من الشاكر العارف لأن الصبر حال الفقر و الشكر حال الغنى. فمن فضل الشكر على الصبر في المعنى فكأنه قد فضّل الغنى على الفقر، و ليس هذا مذهب أحد من القدماء إنما هذه طريقة علماء الدنيا طرقوا لنفوسهم بذلك و طرقوا الخلق إلى نفوسهم من ذلك، فإن من فضّل الغنى على الفقر فقد فضل الرغبة على الزهد و العزّ على