قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٢٦ - شرح مقام الزهد و وصف أحوال الزاهدين و هو المقام السادس من مقامات اليقين
الله تعالى أعظم من ذنوبك و الخوف جند من جنود الله تعالى قد يستخرج من قلوب المريدين و العابدين لا يستخرجه الرجاء فتستجيب له القلوب المرادة به بنهايات الزهد و حائق التوبة و شدة المراقبة. و قد يفعل الله تعالى جميع ذلك بأهل الرجاء في المحبة و مقام الرجاء مستخرج منهم الكرم و الحياء و الخوف اسم جامع لمقامات الخائفين ثم يشتمل على خمس طبقات، في كل طبقة ثلاث مقامات. فالمقام الأوّل من الخوف هو التقوى، و في هذا المقام المتقون و الصالحون و العاملون. و المقام الثاني من الخوف هو الحذر، و في هذا المقام الزاهدون و الورعون و الخاشعون. و المقام الثالث هو الخشية، و في هذا طبقات العالمين و العابدين و المحسنين. و المقام الرابع هو الوجل، و هذا للذاكرين و المخبتين و العارفين. و المقام الخامس هو الإشفاق و هو للصديقين و هم الشهداء و المحبّون و خصوص المقرّبين و خوف هؤلاء عن معرفة الصفات لأجل الموصوف لا عن مشاهدة الاكتساب لأجل العقوبات. كما جاء في الخبر: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري، فالسبع إنما يخاف لوصفه بالبطش و السطوة و لما ألبس وجهه من الهيبة و الكبر لا لأجل ذنب كان من الإنسان إليه. و كذلك لهؤلاء من الرجاء العظيم و النصيب الأوفر على معنى خوفهم ما لا يسع للعموم أن يذكر. فطلبهم برجائهم و حسن ظنهم بما هو لهم لا يصفه إلا هم و لا يعرفه سواهم، جمل ذلك أنصبة القرب و نعيم الأنس و روح اللقاء و سرور التملّق و حلاوة الخدمة و فرح المناجاة و روح الخلوة و ارتياح المحاورة فلهم منه تجلّي معاني الصفات و ظهور معاني محاسن الأوصاف فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين و لأصحاب اليمين إظهار نعيم الأفعال و مواهب العطاء و الأفضال. و قد كان يحيى بن معاذ يقول من عبد الله تعالى بالخوف دون الرجاء غرق في بحار الأذكار، و من عبده بالرجاء دون الخوف تاه في مفاوز الاغترار، و من عبده بالخوف و الرجاء معا استقام في محجة الأذكار. و قال مكحول النسفي رحمه الله تعالى في معناه: إلا أنه جاوز فيه الحدّ فقال: من عبد الله تعالى لخوف فهو حروري، و من عبده بالرجاء فهو مرجئ، و من عبده بالمحبة فهو زنديق، و من عبده بالخوف و الرجاء و المحبة فهو موحّد و الله سبحانه و تعالى أعلم. شرح مقام الزهد و وصف أحوال الزاهدين و هو المقام السادس من مقامات اليقين. قد سمّى الله تعالى أهل الزهد علماء بقوله تعالى إذ وصف قارون فخرج على قومه في زينته إلى قوله تعالى: وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ الله خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ