قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩٤ - ذكر المقام الرابع من مراقبة الموقنين
و الطرفة و النفس إذا خلتا من اليقظة و الذكر فيهما بمنزلة الساعة الخالية إلا أن النبي صلّى الله عليه و سلم نص على الساعة و لم يذكر ما دونها لأن اسم الساعة أقل الزمان المستعمل عند العرب ليواطئ بقوله قول الله سبحانه و تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف: ٣٤] و معلوم أنه إذا جاء الأجل لا يستأخرون نفسا و لا طرفة عين و كذلك لا يستقدمون طرفة و لا نفسا. فذكرت الساعة دون ما نقص منها لئلا يخرج الكلام عن حد استعمالهم و عرفهم و ليستدل بها على ما دونها في القلة من النفس و الطرفة. و كذلك دل رسول الله صلّى الله عليه و سلم بنصه على الساعة على ما دونها لأن حكمته من حكمة مولاه و كلامه على معاني كلامه و قد دخلت الساعة فما دونها في الأيام التي قال الله تعالى: كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ في الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ [الحاقة: ٢٤] قيل: هي و الله أيامكم هذه و ستخلو فأشغلوها بالأعمال الصالحة قبل خلوّها منكم و انقضائها عنكم. و كان الحسن يقول: يا ابن آدم إنما أنت مراحل كلما مضى منك يوم أو ليلة قطعت مرحلة فإذا فنيت المراحل بلغت المنزل إلى الجنة أو النار. فالساعات تنقلنا و الأيام تطوينا. و كما قال بعض الحكماء: مثل العبد في عمره مثل رجل في سفينة تسير و هو قاعد كذلك العبد يدنو من الآخرة و هو غافل و يقال: إن العبد تعرض عليه ساعاته في اليوم و الليلة فيراها خزائن مصفوفة أربعة و عشرين خزانة فيرى في كل خزانة نعيما و لذة و عطاء و جزاء لما كان أودع خزانته من ساعاته في الدنيا من الحسنات فيسره ذلك و يغتبط به. فإذا مرت به في الدنيا ساعة لم يذكر الله تعالى فيها رآها في الآخرة خزائن فرغا لا عطاء فيها و لا جزاء عليها فيسوؤه ذلك و يتحسر كيف فاته أن لم يدخر فيها شيئا فيرى جزاءه مدخرا ثم يلقى في نفسه الرضا و السكون فلو لم يتحسر العبد إلا على فوت الفضائل و المندوب إليه من الخيرات لكان في فوت المسابقة و المسارعة حسرات فكيف بمن فاته أوقاته في السيئات و فرطت منه في الخسارات و لو لم يشتغل العبد في عمره إلا بالحلال و المباحات لكان ذلك نقصانا من الدرجات له فكيف بمن شغل بالمحظورات؟ فسبحان الله ما أعظم الخطر و أصعب الأمر و أقل المشاهدين لذلك و أغفل البطالين. و قد قال بعض العلماء: هب أن المسيء قد غفر له، أ ليس قد فاته ثواب المحسنين. و قد جاء في الأثر أن بعض أهل الجنة بيناهم في نعيم إذ سطع لهم نور من فوقهم أضاءت منه منازلهم كما تضيء الشمس لأهل الدنيا فنظروا إلى رجال من فوقهم أهل عليين يرونهم كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء قد فضلوا عليهم في الأنوار و النعيم و الجمال كما فضل القمر على سائر الكواكب فينظرون إليهم يطيرون على نجب تسرح بهم في الهواء حيث شاءوا و يتزاورون بعضهم