قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٧ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
قيل: الذين يعملون بما يعلمون. قال يوفقهم و يهديهم إلى ما لا يعلمون حتى يكونوا علماء حكماء. و قال بعض السلف: نزلت هذه الآية في المتعبدين المنقطعين إلى الله سبحانه و تعالى المستوحشين من الناس فيسوق الله تعالى إليهم من يعلمهم أو يلهمهم التوفيق و العصمة. و في الخبر: من علم بما يعلم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم و و فقه فيما يعمل حتى يستوجب الجنة، و من لم يعمل بما يعلم تاه فيما يعلم و لم يوفق فيما يعمل حتى يستوجب النار. فمعنى أورثه علم ما لم يعلم أي من علوم المعارف التي هي مواريث أعمال القلوب مثل الفرق بين الاختبار و الاختيار و الابتلاء و الاجتباء و المثوبة و العقوبة و معرفة النقص من المزيد و القبض و البسط و الحل و العقد و الجمع و التفرقة إلى غير ذلك من علوم العارفين بعد حس التفقه و الأدب عن مشاهدة الرقيب و القرب لصحة المواجيد و القلوب. و قال بعض التابعين: من عمل بعشر ما يعلم علمه الله تعالى ما يجهل. و قد قال حذيفة: أنتم اليوم في زمان من ترك عشر ما يعلم هلك و سيأتي بعدكم زمان من عمل بعشر ما يعلم نجا. و قال بعضهم: كلما ازداد العبد عبادة و اجتهادا ازداد القلب قوّة و نشاطا. و كلما ملّ العبد و فتر ازداد القلب ضعفا و وهنا. و ليس يكاد علم اليقين يقدح في معدن العقل لأن علوم العقل مخلوقات و لا يكاد ينتجه الفكر و لا يخرجه التدبر فما أنتجته الأفكار و استخرجته الفطرة من الخواطر و العلوم فتلك علوم العقل و هي كشوف المؤمنين و محمودات لأهل الدين فأما خاطر اليقين فإنه يظهر من عين اليقين ينادي به العبد مناداة و يبغته مفاجأة لأنه مخصوص به مراد مقصود به محبوب متولى به مطلوب لا يجده إلا عارف أو خائف أو محبّ و من سوى هؤلاء فبحاله محجوب و بعاداته مطلوب و إلى مقامه ناظر و في طريقه بمعقوله سائر فأما العارفون المواجهون بعين اليقين المكاشفون بعلم الصديقين فإنهم مسيرون محمولون سابقون مستهترون قد وضعت الأذكار عنهم الأوزار. كما جاء في الخبر: سيروا سبق المفردون بالفتح و المفردون أيضا بالكسر فهم مفردون للَّه تعالى بما أفردهم الله تعالى كما قال جلّ ذكره: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ الله [النساء: ٣٤]. قيل: و من المفردون؟ قال: المستهترون بذكر الله وضع الذكر أوزارهم فوردوا القيامة خفافا. فلما أفردهم الله تعالى ممن سواهم له أفردوه عما سواه به فذكرهم فاستولى عليهم ذكره فاصطلم قلوبهم نوره تعالى فاندرج ذكرهم في ذكره فكان هو الذاكر لهم و كانوا هم المكان لمجاري قدرته عزّ و جلّ فلا يوزن مقدار هذا الذكر و لا يكتب كيفية هذا البر فلو وضعت السموات و الأرض في كفة لرجح ذكره تعالى لهم بهما و هم الذين قال