قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١١٤ - الفصل التاسع عشر فيه كتاب الجهر بالقرآن و ما في ذلك من النيات و تفصيل حكم الجهر و الإخفات
لأن كل واحد منهما على قدر إنصاته و نيته. فإذا كان التالي مكسبا لغيره هذه الأجور فإن له بكل أجر أكسبه إياه أجرا يكتسبه لقوله صلّى الله عليه و سلّم الدال على الخير كفاعله سيما إذا كان عالما بالقرآن فقيها فيه فيكون مقراه و وقوفه حجة و علما لسامعه. و في الخبر أن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم كان ينتظر عائشة رضي الله عنها فأبطأت عليه. فقال: ما حبسك؟ فقالت: يا رسول الله كنت أستمع قراءة رجل ما سمعت صوتا أحسن منه. فقام صلّى الله عليه و سلّم حتى استمع إليه طويلا ثم رجع فقال: هذا سلام مولى أبي حذيفة الحمد للَّه الذي جعل في أمتي مثله و استمع أيضا ذات ليلة إلى قراءة عبد الله بن مسعود و معه أبو بكر و عمر رضي الله عنهم فوقفوا طويلا ثم قال: من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد. و قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم لابن مسعود: اقرأ فقال يا رسول الله أقرأ و عليك أنزل. فقال إني أحب أن أسمعه من غيري فكان يقرأ و عينا رسول الله صلّى الله عليه و سلّم تفيضان و ذلك عند قوله: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا من كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً. و استمع رسول الله صلّى الله عليه و سلّم إلى قراءة أبي موسى فقال: لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير داود فبلغ ذلك أبا موسى فقال: يا رسول الله لو علمت أنك تسمع إليّ لحبرت لك تحبيرا. و كان ابن مسعود يأمر علقمة بن قيس أن يقرأ بين يديه فيقول له: رتل فداك أبي و أمي. و كان حسن الصوت بالقرآن. و في الخبر كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلّم إذا اجتمعوا أمروا أحدهم أن يقرأ سورة من القرآن. و قد كان عمر يقول لأبي مسعود رضي الله عنهما: ذكرنا ربنا فيقرأ عنده حتى كاد وقت الصلاة أن يتوسط فيقال: يا أمير المؤمنين الصلاة الصلاة. فيقول: أو لسنا في صلاة؟ فكأنه يتأول قوله عزّ و جلّ. و لذكر الله أكبر. و قال بعض عباد البصريين لما وضع بعض البغداديين كتابا في معاني الرياء و دقائق آفات النفوس. قال: لقد كنت أمشي بالليل أسمع أصوات المتهجدين كأنها أصوات الميازيب. فكان في ذلك أنس و حث على الصلاة و التلاوة حتى جاء البغداديون بدقائق الرياء و خفايا الآفات فسكت المتهجدون فلم يزل ذلك ينقص حتى ذهب و انقطع و ترك إلى اليوم، فإن لم يكن للتالي نية في شيء مما ذكرناه و كان ساهيا غافلا عن ذلك و كان واقفا مع شيء من الآفات أو لمح في قلبه شخص أو ساكن ذكرى هوى فقد اعتل فعليه أن يحتمي الجهر فإن جهر على ثقل قلبه فسد عمله لاستكنان الداء فيه و كان إلى النقصان أقرب و من الإخلاص أبعد فعليه حينئذ بالإخلاص فهو دواؤه يعالج به حاله فإنه أصلح لقلبه و أسلم لعمله و أحمد في عاقبته. و قد يكون العبد واجدا لحلاوة الهوى في الصلاة و التلاوة و هو يظن أن ذلك حلاوة الإخلاص و هذا من دقيق شأن الشهوة الخفية و لطيف الانتقاص. و قد يلتبس ذلك على الضعفاء و لا يفطن له إلا العلماء،