قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢٧ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
و قد قال بعض العلماء في معنى هذا: من خاف الله تعالى خافه كل شيء. و من خاف غير الله تعالى أخاف الله تعالى منه كل شيء. فكذلك أيضا: من أطاع الله تعالى سخّر له كل شيء و من عصاه سخّره لكل شيء أو سلط عليه كل شيء و لو لم يكن في الإصرار على المعصية من الشؤم إلا أن كلّ ما يصيب العبد يكون له عقوبة إن كان سعة عوقب بذلك و لم يأمن بها الاستدراج و إن كان ضيقا كان عقوبة له. و في الخبر أن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. و قد قيل: الرزق من الحرام من قلة التوفيق للأعمال الصالحة. و كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إني لأحسب أن العبد ينسى العلم بالذنب يصيبه و لو لم يكن من بركة التوبة و العلم و الاستقامة على الطاعة إلا أن كل ما يصيب العبد فهو خير له إن: كان سعة فهو رفق من الله تعالى به عليه و لطف له منه و إن كان ضيقا فهو اختبار من الله تعالى و خيره للعبد و يجد حلاوة ذلك و لذته لأنه في سبيله و قد أصابه و هو مقيم على طاعته و لو لم يكن من شؤم الناس و وجد النقص لمخالطتهم إلا أن المعصية معهم أشد و هي بهم أعظم لتعلق المظالم في أمر الدنيا و شأن الدين و كل من قلّت معارفه قلّت معهم خطاياه. و قال بعض السلف: ليست اللعنة سوادا في الوجه و نقصا في المال إنما اللعنة أن لا يخرج من ذنب إلا وقع في مثله أو شرّ منه و ذلك أن اللعنة هي الطرد و البعد فإذا طرد من الطاعة فلم تيسير له بعد عن القربات فلم يوفق لها فقد لعن. و قد قيل في معنى الخبر الذي رويناه آنفا: إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه قيل: إن يحرم الحلال و لا يوفق له بوقوعه في المعصية و قيل: يحرم مجالسة العلماء و لا ينشرح قلبه لصحبة أهل الخير و قيل: يمقته الصالحون و أهل العلم باللّه تعالى فيعرضون عنه و قيل: يحرم العلم الذي لا صلاح للعمل إلا به لأجل إقامته على الجهل، و لا تنكشف له الشبهات بإقامته على الشهوات بل تلتبس عليه الأمور فيتحير فيها بغير عصمة من الله تعالى و لا يوفق للأصوب و الأفضل. و قد كان الفضيل يقول: ما أنكرت من تغير الزمان و جفاء الإخوان فذنوبك أورثتك ذلك و يقال: نسيان القرآن بعد حفظه من أشد العقوبات و المنع من تلاوته و ضيق الصدر بقراءته و الاشتغال عنه بضده عقوبة الإصرار. و قال بعض صوفية أهل الشام: نظرت إلى غلام نصراني حسن الوجه فوقفت أنظر إليه فمر بي ابن الجلاء الدمشقي فأخذ بيدي فاستحييت منه فقلت: يا أبا عبد الله سبحان الله تعجبت من هذه الصورة الحسنة و هذه الصنعة المحكمة كيف خلقت للنار فغمز يدي و قال: لتجدنّ عقوبته بعد حين قال: فعوقبت بعد ثلاثين سنة. و قال بعضهم: إني لأعرف عقوبة ذنبي في سوء خلق حماري. و قال آخر: أعرف العقوبة حتى في نار بيتي.