قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩ - الفصل الثامن في ذكر أوراد الليل الخمسة
و روينا عن النبي صلّى الله عليه و سلّم في السور التي لم يكن يدعها في كل ليلة ثلاثة أحاديث أشهرها أنه لم يكن ينام حتى يقرأ سورة السجدة. و تبارك الملك و الذي بعده أنه كان يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل و الزمر. و القريب منها أنه كان يقرأ المسبحات في كل ليلة و يقول فيها إنه أفضل من ألف آية. قال: و كان العلماء يجعلونها ستا و يزيدون فيها سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١] و في الخبر: كان رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يحب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١] فهذا يدل على أنه كان يكثر قراءتها و لا يدع أن يقرأ هذه الأربع سور في كل ليلة سورة يس، و سورة لقمان، و سورة الدخان، و تبارك الملك فإن ضم إليها سورة الواقعة، و سورة الصف، و الحاقة، و الزمر، فقد أكثر و أحسن فإن لم يكن من عبادته القيام من الليل قدم الوتر بنية الخبر المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني رسول الله صلّى الله عليه و سلّم أن لا أنام إلا على وتر. و إن كان معتادا لصلاة الليل فالأفضل تأخير الوتر إلى آخر صلاته من تهجده أو إلى السحر على حديث ابن عمر رضي الله عنه: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة. و في حديث عائشة رضي الله عنها: أوتر رسول الله صلّى الله عليه و سلّم من أول الليل و من أوسطه و من آخره و انتهى وتره إلى السحر. فإن نام على وتر و رزق القيام لم يوتر بعده و كفاه وتره الأول على الخبر الذي جاء: لا وتران في ليلة. و قد قال بعض العلماء: يصلي ركعة واحدة يشفع بها وتره من أول الليل ثم يصلي صلاته من الليل و يوتر آخر صلاته. و قد روي في هذا أثر عن عثمان و علي رضي الله عنهما. و إن كان قد صلّى ركعتين من جلوس بعد وتره الأول ثم استيقظ للصلاة شفعتا وتره الركعة الواحدة لأنهما بمنزلة ركعة واحدة يشفع بها ركعة الوتر التي صلاها قبلها. ثم ليصل من الليل مستأنفا ما بدا له ثم يوتره بركعة واحدة في آخر صلاته فيكون له في ذلك ثلاثة أعمال: قصر الأمل، و تحصيل الوتر، و الوتر من آخر الليل. و كذلك كان رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يصلي ركعتين جالسا بعد وتره و الله تعالى أعلم. فليقرأ فيهما جالسا بسورة الزلزلة و سورة ألهاكم التكاثر فقد جاء ذلك في حديثين: أن النبي صلّى الله عليه و سلّم كان يقرأ فيهما بذلك لما في الزلزلة و التكاثر من التخويف و الوعظ. و في رواية قل يا أيها الكافرون لما في سورة الكافرون من التنزيه من عبادة سوى المعبود و إفراد العبادة للَّه سبحانه فيها بالتوحيد. و كان رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يقرأ بها عند النوم و أوصى رجلا بقراءتها عند منامه و تقديم الوتر مستحب لمن لم يكن عادته قيام الليل و لمن كان الأغلب عليه النوم و تأخير الوتر يكون لمن آخر صلاته قبل طلوع الفجر أفضل و ليقل بعد التسليم من الوتر: سبحان الملك القدوس رب الملائكة و الروح جللت السموات و الأرض بالعظمة و الجبروت و تعززت بالقدرة و قهرت العباد بالموت. يقول هذا