قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤٨ - الفصل الثالث و العشرون فيه كتاب محاسبة النفس و مراعاة الوقت
وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ به عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦]. أي لا تتبع و لا تجسس أثر ما لم تعلم فتشهد عليه بسمع أو رؤية أو عقد قلب إذ حقيقة العلم السمع و المشاهدة فلذلك قال: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [الإسراء: ٣٦] و كذلك قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: إياكم و الظن، فإن الظن أكذب الحديث فمن اشتبه عليه الأمر فقطع به فهو متبع للهوى و من تفرس في فعل أوامر غاب عنه حقيقة فأخبر به و أظهره على صاحبه فقد أساء كيف. و قد جاء في الخبر: من حدّث بما رأته عيناه أو سمعت أذناه كتبه الله عزّ و جلّ من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، هذا لكشف ستر الله على عباده و محبته للساترين منهم، و لذلك كان من دعاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه: اللّهم أرنا الحق حقا فنتبعه و الباطل باطلا فنجتنبه و لا تجعل ذلك علينا متشابها فنتبع الهوى. و كذلك روينا عن عيسى عليه السلام: إنما الأمور ثلاثة: أمر استبان لك رشده فاتبعه، و أمر استبان غيّه فاجتنبه، و أمر أشكل عليك فكله إلى عالمه. و قد كان من دعاء عليّ رضي الله عنه: اللّهم إني أعوذ بك أن أقول في العلم بغير علم فنعمة الله سبحانه تعالى في كشف الباطل باطلا و بيان الضلال ضلالا مثل نعمه في إظهار الحق و بيان الصدق لأنه باب من اليقين.، و لذلك تجمل الله به على نبيه صلّى الله عليه و سلم و جعله من تفصيل آياته في قوله سبحانه و تعالى: وَ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام: ٥٥] فنصب سبيل على إضمار اسمه و رفعه على كشف دلالاته و تبيان طرقه و قد وعد الله ذلك للمتقين و قدمه على تكفير السيئات و المغفرة و أخبر أن ذلك من الفضل العظيم في قوله عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [الأنفال: ٢٩] أي نورا في قلوبكم تفرقون به بين الشبهات و مثله. و من يتق الله يجعل له مخرجا أي من كل أمر أشكل على الناس و رزقه من حيث لا يحتسب علم بغير تعليم بل إلهام و توفيق من لدن الخبير العليم. و قد وعد ذلك المؤمنين عند اختلاف العلماء للبغي بينهم و هو الكبر و الحسد، و حرم ذلك المنافقين الذين لا يصدقون بالآيات و القدر و الغائبات فقال عزّ و جلّ في ذلك: وَ ما اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ من بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [البقرة: ٢١٣] فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فصنع الهداية للحق أن يكشف الحق إذا هدي التقى له ما يبدئ الباطل للابتلاء و ما يعيد على العبد من الأحكام. و قد يكون الباطل اسما للعدوّ و يكون وصفا للنفس ألم تسمع قوله عزّ و جلّ: قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما يُعِيدُ [سبأ: ٤٩] أي: لما جاء الحق أبدى الباطل و أعاده فأظهر حقيقة الأمر بدءا و عودا و قد قيل إن الباطل يعني به إبليس هاهنا فتدبروا و قال: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ الله لا يَهْدِيهِمُ الله