قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٥٠ - الفصل الثالث و العشرون فيه كتاب محاسبة النفس و مراعاة الوقت
المشاهدة، و هذا هو مقام المقربين أعني بمشاهدة وصف قريب يحيط ببعد النفس فيستولي عليها فيغيب بعدها في قربه و ينتبه عقله تحت ظنه و تنطوي حكمته في قدرته كمحو نور القمر في ضياء الشمس و الله غالب على أمره و علم معاني الأسماء و الصفات و تعريف الأخلاق و باطن أحكام الذات يكون في مقامات القرب بمرآة نور الوجه فيرفع نور حكم المكان و يشهد كأن رفع كون المرآة و يشهد الوجه بنورها و تغيب المرآة عن كونها فيكون العبد قائما بقصر قيوميته فيصير العبد شبه ميتة مشاهدا بحيطة قربه لا بكونه كما يشهد الوجه بنور المرآة لا بجسمها و لا يكون هذا إلا بعد معاينة وصف و بعد حسن المراقبة في جميع المعاملة و حسن الأدب في محاضرة الرب بتنفيذ خواطر الخبر و سرعة نفي خواطر السر حتى لا يبقى شيء منها و هذا حال المشاهدة و القرب، و ذلك يخرج العبد إلى صفاء القلب بعلم اليقين، و صفاء القلب يرفعه مقامات في مشاهدة العين حتى لا يخطر بقلبه إلا خاطر حق فإن عصاه عصى الحق و في ترك هذا و الغض عنه كدر القلب و في كدرة ظلمته و ذلك مقامات في القسوة و هي أول البعد و بلغني أن ما من فعلة و إن صغرت إلا و ينشر لها ثلاثة دواوين: الديوان الأول لم و الثاني كيف، و الثالث لمن. فمعنى لم أي لم فعلت؟ و هذا موضع الابتلاء عن وصف الربوبية بحكم العبودية أي أ كان عليك أن تعمل لمولاك أم كان ذلك منك بهواك فإن سلم من هذا الديوان بأن كان عليه أن يعمل كما أمر به سئل عن الديوان الثاني. فقيل له: كيف فعلت هذا؟ و هو مكان المطالبة بالعلم و هو البلاء الثاني أي قد عملته بأن كان عليك عمله فكيف عملته أ بعلم أم بجهل؟ فإن الله تعالى لا يقبل عملا إلا من طريقته و طريقة العلم. فإن سلم من هذا نشر عليه الديوان الثالث فقيل لمن؟ و هذا طريق التعبد بالإخلاص لوجه الربوبية و هو البلاء الثالث و هم بغية الله عزّ و جلّ من خلقه الذين قال في حقهم: إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر: ٤٠] و هذا مقتضى كلمة الإخلاص من نفي ما سواه و هي لا إله إلا الله و ليس بعده إلا الإشفاق إلى وقت التلاق أي قد عملته بعلم فلمن عملته لوجه الله عزّ و جلّ خالصا فأجرك عليه أم لشخص مثلك فخذ أجرك منه أم عملته لتناول عاجل دنياك فقد وفينا إليك عملك فيها أم عملته لنفسك بسهولة و غفلتك فقد سقط أجرك و حبط عملك لذهابك عن القصد و عدم النية في الفعل فجميع ما أردت به سواه فقد تعرضت للمقت و استوجبت العقاب بترك ما عليك و جهل ما لمولاك إذ كنت عبدا لي تتولى غيري و إذا أنت تأكل رزقي و تعمل لسواي و إذا كان الدين قد جعلته لنفسي فقصدت به من دوني ويلك أما سمعتني أقول ألا الله الدين الخالص ويلك ما قبلت أمري إذ قلت و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين