قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٥ - الفصل التاسع و العشرون فيه ذكر أهل المقامات من المقربين و تمييز أهل الغفلة المبعدين
مقامات المبعدين بالسوء فإذا كان العبد على وصف من الحقيقة و في مقام من التقوى استحق الثناء من مولاه لتحققه بالوصف و نال القرب من القريب لتبعده عن حظوظ النفس. و في حسن الثناء من العظيم الأعظم غاية الطالبين و نهاية رغبة الراغبين و لا يكون ذلك إلا لأوليائه المتقين و حزبه المفلحين و عباده الصالحين و هم أهل القلوب السليمة الطاهرة و ذوو الجوارح الخاشعة الذاكرة و أولو الألباب الراجحة الفاخرة و هم ثلاث طبقات من مقربي أصحاب اليمين، أهل العلم باللّه تعالى، و أهل الحب للَّه تعالى، و أهل الخوف من الله تعالى فهؤلاء خصوص أوليائه المقربين استحضرهم فحضروا و استحفظهم العلم فحفظوا و استشهدهم عليه فشهدوا فهم الأدلة منه عليه و هو دليلهم إليه و هم جامعوا العباد به و هو جامعهم عنده لديه أبدال الأنبياء و الربانيون من العلماء أئمة المتقين و أركان الدين أو القوّة و التمكين الذين كشف لهم الكتاب المستبين و هداهم إليه الطريق المستقيم عليه و هم المنظور إلى قلوبهم كفاحا و المقصودون بالمزيد و التحف مساء و صباحا و من سواهم من عموم المؤمنين من القراء و العباد و أهل المجاهدة و الزهد و الأوراد قد أعطاهم الولايات و فرقهم في الأعمال و السياحات و أظهر لهم الآيات تسكينا لقلوبهم بها و طمأنينة منهم إليها لئلا تدخل عليهم الشبهات فيهلكوا و لا تجذبهم الشهوات فيرجعوا فشغلوا بالإظهار عن الظاهر و حجبوا بالظواهر عن الباطن و اغتبطوا بالحجاب و سكنوا إلى الأسباب و عكفوا على المقامات و استتروا بالملكوت و الآيات فهم مغبوطو الأموات من أهل الدنيا و هم مرحومو الأحياء من أهل الأعلى لأن قربهم بعد عند المقربين و كشفهم حجب عند المشاهدين و عطاءهم رد عند المواجهين إلا أن الله تعالى نظر إليهم لما نظروا لنفوسهم حكمة و رحمة منه لهم فسكنهم في حالهم و رضاهم بمقامهم كيلا تشتت قلوبهم و لا تتحير عقولهم و السابقون الأوّلون هم الوجهة العليا و المتمسكون بالعروة الوثقى نظروا إليه سبحانه و تعالى به فنظر إليهم منه فهم كما وصفهم: وَ من النَّاسِ من يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله لا يرجعون إلى مال و لا ينظرون إلى حال يحبهم و يحبونه رضي الله عنهم و رضوا عنه ذلك لمن خشي ربه فهم كما وصفوا في الكتب السالفة. قال الحواريون: يا روح الله صف لنا أولياء الله الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون فقال: هم الذين نطق بهم الكتاب و به نطقوا و بهم علم الكتاب و به علموا و بهم قام الكتاب و به قاموا نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها و عاينوا أجل الدنيا حين عاين الناس عاجلها فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم و تركوا منها ما علموا أن سيتركهم فصار دركهم منها فواتا و فرحهم بها حرمانا ما عارضهم منها رفضوه و ما أشرف لهم بغير الحق وضعوه خلقت الدنيا