قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠٩ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
و إن العبد عند موته في آخر ساعة من عمره يكشف له عند كشف الغطاء عن بصره وجوه كثيرة قد اتخذت آلهة من دون الله أو أشرك بها مع الله تعالى و كلها تزيين و غرور فإن وقف القلب مع أحدها، أو زين له بعضها أو تقلب قلبه في شيء منها عند آخر أنفاسه ختم له بذلك، فخرجت روحه على الشك أو الشرك، و هذا هو سوء الخاتمة، و هو نصيب العبد من الكتاب في السابقة عند خلق الأرواح، معدومة لها في الأشباح في الآباد و الآزال قبل إظهار الأكوار و الأدوار، فشهدتها الأرواح هناك غرورا، و وقفت معها و قد زادت لها زورا رسوم في القلب في التخليط قبل خلق الأجسام لها، و قبل حجبها بكشف الهياكل عند ظهورها في الوجود، و قبل إقامتها بشاهد العقل، لكن بشاهد الأولية بدت، و بمعنى القيومية وجدت، و بوصف الجامع جمعت ثم فرقت هاهنا، فظهرت الآن عند الفراق، لما كانت شهدت في التلاق، و اعترفت في الآخر بما كانت نطقت في الأول و خرجت الروح على ما شهدت، و هذا كان خبر السابقة التي أدركت الأرواح المرافقة لها في الأجسام عند الخاتمة. و من ذلك جاء في الأثر: «يأخذ ملك الأرحام النطفة في يده فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ أ سوي أم معوج، ما رزقه، و ما عمله؟ ما أثره ما خلقه؟ قال: ثم يخلق الله تعالى على يده كما قال: فإذا صورة قال: يا رب انفخ فيه بالسعادة أو بالشقاوة» فلذلك خرجت الروح بما دخلت به فَأَمَّا إِنْ كانَ من الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ وَ أَمَّا إِنْ كانَ من أَصْحابِ الْيَمِينِ. فَسَلامٌ لَكَ من أَصْحابِ الْيَمِينِ. وَ أَمَّا إِنْ كانَ من الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ من حَمِيمٍ. وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [الواقعة: ٨٨- ٩٤] كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف: ٢٩] كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤] وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [السجدة: ١٣] و قال سبحانه و تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [الأنبياء: ١٠١] إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [يونس: ٩٦] وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً من الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ [الأعراف: ١٧٩] وَ لَهُمْ أَعْمالٌ من دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ [المؤمنون: ٦٣] وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] إِنَّ في هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ [الأنبياء: ١٠٦] فهذه الآي و نظائرها وردت في السوابق الأول و الخواتم الآخر، و فيها سرائر الغيوب و غرائب الفهوم، و هي من آي المطلع لأهل الإشراف على شرفات العرش و الأعراف. و قال بعض العارفين: لو علمت أحدا على التوحيد خمسين سنة ثم حالت بيني و بينه أسطوانة فمات لم أقطع له بالتوحيد، لأني لا أدري ما ظهر من التقليب.