قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٠ - بيان آخر في فضل علم الباطن على الظاهر
قطب القرآن و مداره عليها كمدار الرحى على الخشبان. و روينا عن عيسى عليه السلام كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته، و هو مقبل على دنياه و كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به و هو لا يطلبه ليعمل به. و قال الضحاك بن مزاحم: أدركتهم و ما يتعلم بعضهم من بعض إلا الورع و هم اليوم يتعلمون الكلام. و في الحديث: ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أعطوا الجدل ثم قرأ: ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون. و في قوله عزّ و جلّ: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: ٧]. الآية هم أهل الجدل الذين عنى الله تعالى فاحذروهم. و عن بعض السلف: يكون في آخر الزمان علماء يغلق عنهم باب العمل و يفتح عليهم باب الجدل. و في بعض الأخبار: إنكم في زمان ألهمتم فيه العلم و سيأتي قوم يلهمون الجدل. و عن ابن مسعود: أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع و يأتي بعدكم زمان خيركم فيه المتبين يعني الآن لبيان الحق و اليقين في القرن الأول و بعد ذلك في زماننا هذا لكثرة الشبهات و الالبتاس و دخول المحدثات مداخل الليل في السير. فأشكل الأمر إلا على الفرد الذي يعرف طرائق السلف فيجتنب الحدث كله. و روينا عن بعض العلماء: إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له باب العمل و أغلق عنه باب الجدل و إذا أراد الله بعبد سوءا أغلق عنه باب العمل و فتح عليه باب الجدل. و في الخبر المشهور عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: أبغض الخلق إلى الله عزّ و جلّ الألد الخصم. و قد روينا في خبر الحياء و العي شعبتان من الإيمان و البذاء و البيان شعبتان من النفاق و في بعضها مفسرا و العي عي اللسان لا عي القلب. و الخبر الآخر ما روى الحكم بن عيينة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: ما أوتي قوم المنطق إلا منعوا العمل. و في الحديث أن الله تعالى ليبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل الكلام بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلاء بلسانها، و الخلاء هو الحشيش الرطب. و كان أحمد بن حنبل يقول: العلم إنما هو ما جاء من فوق يعني إلهاما من غير تعليم و قال أيضا: علماء أهل الكلام زنادقة. و قال قبله أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق. بيان آخر في فضل علم الباطن على الظاهر مما يدلك على أن العلم الذي فضله العلماء و أعظموا ذكره و خطره و وصفوا به العالم و مدحوه به و جاءت بفضله الآثار و ندب إليه و فضل في الأخبار أهله إنما هو العلم باللّه تعالى الدال على الله تعالى الراد إليه الشاهد بالتوحيد في علم الإيمان و اليقين و علم