قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤ - الفصل السابع في ذكر أوراد النهار
أول سورة الحديد و آخر سورة الحشر و مثل آية الكرسي و قل هو الله أحد ليكون بذلك جامعا بين التلاوة و الدعاء و بين الصلاة و التعظيم و المدح بالأسماء. ثم ليصل الظهر في جماعة و لا يدع أن يصلي قبلها أربعا و بعدها أربعا بعد ركعتين. و هذا آخر الورد الرابع من النهار و هو أقصر الأوراد و أفضلها. فإن كان قد رقد قبل الزوال فلا يرقد في هذا الورد فإنه يكره له نومتان في يوم كما يكره له نوم النهار من غير سهر بالليل. و روينا عن بعض العلماء، ثلاث يمقت الله عليها: الضحك من غير عجب، و الأكل من غير جوع، و نوم النهار من غير سهر بالليل. و إن لم يكن قد رقد فأحب أن ينام بين الظهر و العصر ليتقوى بذلك على قيام الليل فلينم. فإن نومه بعد الظهر لليلة المستقبلة و نومه قبل الظهر لليلة الماضية. فإن دام سهره بالليل و اتصلت أوراده بالنهار حسن أن ينام قبل الظهر لما سلف من ليله، و ينام بعد الظهر لما غبر من الأخرى. إلا أنه لا يستحب له أن يزيد في اليوم و الليلة أكثر من نوم ثمان ساعات. و من الناس من يقول إنه إن نقص من نوم هذا المقدار في اليوم و الليلة اضطرب بدنه لأن النوم قوت الجسم و راحته. قال الله تعالى: وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً [النبأ: ٩]. أي راحة كما قال: وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [النبأ: ١١]. إلا أن يكون السهر عادة فإن العادة قد تعمل عمل الطبع و تنقل عن العرف فلا يقال عليها. و إحياء ما بين الظهر و العصر و هو صلاة الغفلة و هو يشبّه بقيام الليل. و يستحب العكوف في المسجد بين الأولى و العصر للصلاة و الذكر ليجمع بين الاعتكاف و الانتظار للصلاة فقد كان ذلك من سنة السلف. قال: كان الداخل يدخل المسجد بين الظهر و العصر فيسمع للمصلين دويا كدويّ النحل من التلاوة إلا أن يكون بيته أسلم لدينه و أجمع لقلبه فالأسلم هو الأفضل. و كذلك إحياء الورد الثالث الذي هو بين الضحى الأعلى إلى زوال الشمس فوق هذا الفضل يدرك به العبد فوت قيام الليل لأن الناس في هذين الوقتين مشغولون بطلب الدنيا و خدمة الهوى و القلب المتيقظ لربه عزّ و جلّ يفرغ في هذين الوقتين و يسكن، و يجد العامل للعمل حلاوة و للإقبال و التفرغ لذة و يكون لفراغه من الخلق و شغله بالخالق تعالى مزيد و بركة. و هذا أحد الوجهين في قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [الفرقان: ٦٢] أي جعلهما خلفتين يتعاقبان في الفضل فيخلف أحدهما الآخر. فمن فاته شيء من الليل قضاه في هذين الوردين من النهار. أحدهما من الضحى الأعلى إلى الزوال، و الثاني ما بين الأولى و العصر. و الوجه الثاني أن النهار كله خلفة من الليل فمن فاته شيء من عمل الليل قضاه بالنهار فكان منه بدلا. و من فاته شيء من أوراد النهار كان الليل خلفا إذ لكل واحد منهما