قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٩ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
مكاشفات العلوم و لنسمعنّهم غرائب الفهوم و لنوصلنّهم إلى أقرب الطرق إلينا بحسن مجاهدتهم فينا. ثم ختم الأمر بقوله تعالى: وَ إِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩] هذا مقام مشاهدة الصفات فكان المجاهد فيه معهم أولا بالتوفيق فيه صبروا له بالتأييد و كان المحسن معهم آخر اليوم فيه أحسنوا إلى نفوسهم غدا. و روينا عن الحسن البصري عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: العلم علمان، فعلم باطن في القلب فذاك هو النافع. و سئل رسول الله صلّى الله عليه و سلم عن معنى قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ الله أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [الأنعام: ١٢٥] ما هذا الشرح؟ قال: هو التوسعة يعني: أن النور إذا قذف في القلب اتسع له الصدر و انشرح. و قال بعض العارفين: لي قلب إذا عصيته عصيت الله تعالى يعني أنه لا يقذف فيه إلا طاعة و لا يقر فيه إلا حق فقد صار رسوله إليه فإذا عصاه فقد عصا المرسل بمعنى الخبر الإيمان ما وقر في القلب و صدقه العمل و بقوله صلّى الله عليه و سلم: المؤمن ينظر بنور الله. فمن نظر بنور الله كان على بصيرة من الله تعالى و كان عمله بنوره طاعة للَّه تعالى. و قال بعض العارفين: منذ عشرين سنة ما سكن قلبي إلى نفسي ساعة و ما ساكنته طرفة عين. و سئل بعض العلماء عن علم الباطن أي شيء هو؟ فقال: سر من سر الله تعالى يقذفه في قلوب أحبابه لم يطلع عليه ملكا و لا بشرا. و قد روينا فيه خبرا مسندا أحببنا أن نسنده و قد جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه و سلم فقال: علمني من غرائب العلم فقال: هل عرفت الرب فأخبر أن غرائب العلوم في المعرفة و قد أمر صلّى الله عليه و سلم بأصل العلوم الذي فيه غرائب الفهوم فقال: اقرءوا القرآن و التمسوا غرائبه يعني تدبر معانيه و استنباط بواطنه إذ بكلامه عرفه أولياؤه و قد قيل: تكلموا تعرفوا. فمن عرف معاني الكلام و وجوه الخطاب عرف به معاني الصفات و غرائب علوم أسماء الذات. و قال ابن مسعود: من أراد علم الأوّلين و الآخرين فليثوّر القرآن. و قال بعض أهل المعرفة في فهم هذه الآية: إن الله يأمر بالعدل و الإحسان قال: العدل تدبر القرآن و فهمه و الإحسان مشاهدة الفهم. و في تأويل قوله عليه الصلاة و السلام في صفة العدل شاهد لقوله هذا في حديثه الذي وصف فيه شعب الإيمان فقال: الإيمان على أربع دعائم: على الصبر. و اليقين، و العدل، و الجهاد، ثم قال و العدل على أربع شعب: غائص الفهم، و زهرة العلم. و روضة الحلم، و شرائع الحكم، فمن فهم فسر جمل العلم و من علم عرف شرائع الحكم و من حلم لم يفرط في أمره و عاش في الناس حميدا. و قال بعض المكاشفين ظهر لي الملك: فسألني أن أملي عليه شيئا من ذكرى الخفي من مشاهدتي من التوحيد و قال: ما نكتب لك عملا و نحن نحب أن نصعد لك بعمل نتقرب به إلى الله تعالى فقلت: أ ليس يكتبان الفرائض؟