قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٠ - شرح مقام الشكر و وصف الشاكرين و هو الثالث من مقامات اليقين
إذا القوت تأتي لك و الصحة و الأمن و أصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن و أنشد الآخر: كن و فلقة خبز و كوز ماء و أمن ألذ من كل عيش يحويه سحب و سجن و حدثونا أن عابدا عبد الله تعالى سبعين عاما، فأرسل الله تعالى إليه ملكا يبشّره بدخول الجنة برحمة الله تعالى، فهجس في نفسه بل بعملي فاطلع الله تعالى على ذلك منه فأوحى إلى عرق ساكن من عروقه أن تحرك عليه، قال: فاضطرب لذلك و قلق و انقطعت عبادته و ذهبت أعماله شغلا منه بنفسه و قلق بنفسه، ثم أوحى الله تعالى إلى العرق أن اسكن فسكن. فرجع العبد إلى عبادته فأوحى الله تعالى إليه إنما قيمة عبادتك عرق واحد سكن من عروقك فاعترف. و روينا معناه عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم بوصف آخر أن رجلا عبد الله سبعين عاما قال: فيأمر الله عزّ و جلّ به إلى الجنة برحمته فيقول: بل بعملي فيقول الله عزّ و جلّ: أدخلوا عبدي الجنة بعمله قال: فيمكث في الجنة سبعين عاما فيأمر الله تعالى به أن يخرج. و يقال له: قد استوفيت ثواب عملك قال: فيسقط في يديه و يندم فينظر أقوى شيء كان في نفسه بينه و بين ربه فإذا هو الرجاء و حسن الظن فيقول: يا ربّ اتركني في الجنة برحمتك لا بعملي قال: فيقول الله عزّ و جلّ: دعوا عبدي في جنتي برحمتي. و حدثت عن رجل شكا إلى بعض أهل المدينة فقره و أظهر لذلك غمه فقال له الرجل: أ يسرك أنك أعمى و لك عشرة آلاف؟ قال: لا. قال: فيسرك أنك أخرس و لك عشرة آلاف قال: لا. قال: فيسرك أنك أقطع اليدين و الرجلين و لك عشرة آلاف، قال: لا. قال: فيسرك أنك مجنون و لك عشرة آلاف؟ قال: لا. قال: أ فما تستحي أن تشكو مولاك و له عندك عروض بخمسين ألفا و هذا كما قال لأن في الإنسان قيم هذه الأشياء من الجوارح و زيادة من المال لأنها ديات جوارحه لو قطعت. و حدثني بعض الشيوخ في معناه أن بعض القراء المقربين اشتد به الفقر حتى أحزنه و ضاق به ذرعا. قال: فرأى في المنام كأن قائلا يقول له تود أنا أنسيناك سورة الإنعام و أن لك ألف دينار؟ قال: لا. قال: فسورة هود؟ قال: لا. قال: فسورة يوسف. قال: لا. قال: فمعك قيم مائة ألف و أنت تشكو الفقر فأصبح و قد سرى عنه همه. و هكذا جاء في الخبر: تغنوا بالقرآن أي استغنوا به و من لم يستغن بآيات الله تعالى فلا أغناه الله عزّ و جلّ و إن