قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧٨ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
و روي في حديث الأنصاري الذي قالت له أمه عند موته: هنيئا لك الجنة جاهدت مع رسول الله صلّى الله عليه و سلم و قتلت في سبيل الله تعالى فقال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: و ما يدريك أنه في الجنة و لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه و يبخل بما لا يغنيه. و من أظهر علما من غير أن يسأل عنه و نشره في غير أهله فأنكر عليه سئل عنه و كان عليه فيه مطالبة لأنه قد تكلف إظهاره فإن كان سئل عنه ثم تكلم فيه لم يكن عليه فيه مطالبة فيمن أنكر لأنه خرج جوابا على سؤال. و من هذا كان السلف المتكلمون في هذا العلم يسكتون حتى يسألوا عنه. و كان أبو محمد يقول: العالم يقعد فيسكت و يرفع قلبه إلى مولاه فيفتقر إليه في حسن توفيقه و يسأله أن يلهمه الصواب فأي شيء سئل عنه تكلم بما فتح له مولاه فجعل العالم في حالة سكوته و نظره إلى سيده محتاجا إلى التوكل و منتظرا للوكيل في أي شيء يجريه. و قال بعضهم: إنما العالم الذي إذا سئل عن المسألة كأنما تقلع ضرسه و قال رقبة بن مصقلة و غيره ليس العالم الذي يجمع الناس فيقصّ عليهم إنما العالم الذي إذا سئل عن العلم كأنما يسعط الخردل. و قد روينا أنه قاله الأعمش و قد كان محمد بن سوقة يسأله عن الحديث فيعرض عنه و لا يجيبه فالتفت الأعمش إلى رقبة فقال له هو إذا أحمق مثلك إن كان يدع فائدته لسوء خلقي فقال محمد بن سوقة: ويحك إنما أجعله بمنزلة الدواء أصبر على مرارته لما أرجو من منفعته. و قد روينا عن علي و ابن مسعود رضي الله عنهما أنه مر برجل يتكلم على الناس فقال هذا يقول اعرفوني. و حدثني بعض علماء خراسان عن شيخ له عن أبي حفص النيسابوري الكبير، و كان هذا هناك نظير الجنيد هاهنا أنه قال إنما العالم الذي يسأل عن مسألة في الدين فيغتم حتى لو جرح لم يخرج منه دم من الفزع يخاف أن يسأل في الآخرة عما سئل عنه في الدنيا و يفزع أن لا يتخلص من السؤال إلا أن يرى أنه قد افترض عليه الجواب لفقد العلماء. و من هاهنا كان ابن عمر رضي الله عنهما يسكت عن تسع مسائل و يجيب عن واحدة و يقول: تريدون أن تجعلونا جسرا تعبرون عليه في جهنم. تقولون أفتانا ابن عمر بهذا. و كان إبراهيم التميمي إذا سئل عن مسألة يبكي و يقول: لم تجد من تسأله غيري أو احتجتم إليّ؟ قال: و جهدنا بإبراهيم النخعي أن نسنده إلى سارية فأبى و كان إذا سئل عن شيء بكى و قال: قد احتاج الناس إليّ. و قد كان سفيان بن عيينة تفرد في زمانه بعلوم انفرد بها في وقته و كان مع ذلك يضرب المثل لنفسه و يقول: خلت الديار فسدت غير مسوّد و من الشقاء تفردي بالسؤدد و أما أبو العالية الرياحي فكان يتكلم على الاثنين و الثلاثة فإذا صاروا أربعة قام. و كذلك كان إبراهيم و الثوري و ابن أدهم رحمهم الله تعالى يتكلمون على النفر فإذا كثر