قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤١ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
و اللمم، فهذا من صفات المؤمنين يرجى له الاستقامة لأنه في طريقها و هو ممّن قال الله تعالى: يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم: ٣٢] و داخل في وصف المتقين الذين قال الله تعالى فيهم: وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [آل عمران: ١٣٥] الآية. و نفس هذا هي اللّوّامة التي أقسم الله تعالى بها و هو من المقتصدين و هذه الذنوب تدخل على النفوس من معاني صفاتها و غرائز جبلاتها و أوائل أنسابها من نبات الأرض و تركيب الأطوار في الأرحام خلقا بعد خلق و من اختلاط الأمشاج بعضها ببعض و لذلك عقبه تعالى بقوله: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ من الْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ [النجم: ٣٢] الآية. فلذلك نهى عن تزكية النفس المنشأة من الأرض و المركبة في الأرحام بالأمشاج للاعوجاج فقال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم: ٣٢] أي فهذا وصفها عن بدء إنشائها و كذلك وصف مشيج خليقته بالابتلاء في قوله: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان: ٢]. و شرح هذا يطول و يخرج إلى علم تركيبات النفوس و مجبول فطرتها. و قد ذكرنا أصوله في بعض الأبواب من هذا الكتاب: و في مثل هذا العبد معنى الخبر الذي جاء المؤمن مفتن توّاب و المؤمن كالسنبلة تفيء أحيانا و تميل أحيانا فإزراء هذا العبد على نفسه و مقته لها عن معرفته بها و ترك نظره إليه و سكونه إلى خير إن ظهر عليها يكون من كفارات ذنوبه لأنه من تدبر الخطاب في قوله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [النجم: ٣٢]. و العبد الثالث هو الذي يقرب من هذا الثاني في الحال عبد يذنب ثم يتوب ثم يعود إلى الذنب ثم يحزن عليه بقصد له و سعي فيه و إيثاره إياه على الطاعة. إلا أنه يسوّف بالتوبة و يحدث نفسه بالاستقامة و يحب منازل التوابين و يرتاح قلبه إلى مقامات الصديقين و لم يأن حينه و لا ظهر مقامه لأن الهوى يحركه و العادة تجذبه و الغفلة تغمره إلا أنه يتوب خلال الذنوب و يعاود لتقدم المعتاد فتوبة هذا فوت من وقت إلى وقت و مثله ترجى له الاستقامة لمحاسن عمله و تكفيرها لسالف سيئته و قد يخاف عليه الانقلاب لمداومة خطئه و نفس هذا هي المسوّلة و هو ممّن خلط عملا صالحا و آخر سيئا عسى الله أن يتوب عليه فيستقيم فيلحق بالسابقين فهذا بين حالين، بين أن يغلب عليه وصف النفس فيحق عليه ما سبق من القول و بين أن ينظر إليه مولاه نظرة تجبر له كلّ كسر و يغنى له كل فقر فيتداركه بمنّة سابقة فتلحقه بمنازل المقرّبين لأنه قد سلك طريقهم بفضله و رحمته و نيته الآخرة، و العبد الرابع أسوأ العبيد حالا و أعظمهم على نفسه وبالا و أقلهم من الله نوالا عبد يذنب ثم يتبع الذنب مثله أو أعظم منه و يقيم على الإصرار