قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٢٤ - الفصل الحادي و العشرون فيه كتاب الجمعة و ذكر هيئاتها و آدابها و ذكر ما يستحب للمريد في يوم الجمعة و ليلتها
و هي عليه فإن شاء نزعها بعد ذلك و ليخرج إلى الله عزّ و جلّ خاشعا متواضعا ذا سكينة و وقار و إخبات و افتقار و ليكثر من الدعاء و الاستغفار و ينوي في خروجه زيارة مولاه في بيته و التقرّب إليه بأداء فريضته و العكوف في المسجد إلى حيث انقلابه ثم لينو كف جوارحه عن اللهو و اللغو و يتق الشغل حين يخدم مولاه و ليترك راحته في ذلك اليوم في مهناه من عاجل حظ دنياه و ليواصل الأوراد فيه فيجعل أوله إلى انقضاء صلاة الجمعة للخدمة بالصلاة و أوسطه إلى صلاة العصر لاستماع العلم و مجالس الذكر و آخره إلى غروب الشمس للتسبيح و الاستغفار. فكذلك كان المتقدمون يقسمون يوم الجمعة هذه الأقسام الثلاثة و إن صامه فحسن يضم إليه يوم الخميس أو يضيف إليه يوم السبت و قد كره إفراده بصوم و من لم يصمه و كان أهل فالمستحب أن يجامع فيه فقد روي فضل ذلك و كان بعض السلف يفعله. و قد روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: من غسل و اغتسل و غدا و بكر و دنا من الإمام و لم يلغ كان له بكل خطوة صيام سنة و قيامها. و في خبر آخر: و دنا من الإمام و استمع كان له ذلك كفارة لما بين الجمعتين و زيادة ثلاثة أيام. و في لفظ آخر: غفر له إلى الجمعة الأخرى و قد اشترط في بعضها و لم يتخطّ رقاب الناس. فمعنى قوله: من غسل بالتشديد أي غسل أهله كناية عن الجماع. و بعض الرواة يخففه فيقول: غسل و اغتسل فيكون معناه غسل رأسه و اغتسل لجسده و ليتق أن يتخطّى رقاب الناس فإن ذلك مكروه جدا و قد جاء فيه وعيد شديد إن من فعل ذلك جعل جسرا يوم القيامة على جهنّم تتخطاه الناس و قال ابن جريج حديثا مرسلا أن النبي صلّى الله عليه و سلّم بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ رأى رجلا يتخطّى رقاب الناس حتى تقدم و جلس فلما قضى النبي صلّى الله عليه و سلّم صلاته عارض الرجل حتى لقيه فقال يا فلان ما منعك أن تجمع اليوم معنا؟ فقال: يا نبي الله قد جمعت فقال: أو لم أراك تتخطّى رقاب الناس؟ و في حديث مسند أن النبي صلّى الله عليه و سلّم قال له: ما منعك أن تصلّي معنا الجمعة؟ فقال: أو لم ترني؟ قال: قد رأيتك تأنيت و آذيت، أي تأخرت عن البكور و آذيت بالحضور، و لا يقعد إلى القصاص في يوم الجمعة فقد كره ذلك و لا في حلقة قبل الصلاة. فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمران أنّ النبي صلّى الله عليه و سلّم نهى عن التحلّق يوم الجمعة قبل الصلاة إلّا أن يكون عالما باللّه عزّ و جلّ يذكر بأيام الله و يفقه في الدين يتكلم في الجامع بالغداة فيجلس إليه فيكون جامعا بين البكور إلى الجمعة و بين الاستماع إلى العلم. و قد روينا عن بعض علماء السلف قال: إن الله تعالى فضلا من الرزق سوى أرزاق العباد لا يعطي من ذلك الفضل إلا من سأله عشية الخميس و يوم الجمعة. و في