قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٥٣ - الفصل الرابع و العشرون في ذكر ماهية الورد للمريد و وصف حال العارف بالمزيد
قلوبهم و أحوالهم بالأوراد فيعرفون النقصان و المزيد منها و لا تجتمع قلوبهم بسبب و لا تقوى نفوسهم بطلب فتتشتت لفقد سبب و يضعف يقينهم لطلب هذه المعاني هي أحوال المريدين و جملة تغييرهم في شيئين: ضيقهم بالخالق فهربوا منه، و اتساعهم بالخلق فاستراحوا إليه. و لو دام قربهم منه لدامت راحتهم به و لو وقفت شهادتهم عليه لما نظروا إلى سواه. و أما العارفون فقد فرغ لهم من قلوبهم و اجتمعت المتفرقات بمجامعها لهم و أقامهم القائم لهم بشهادتهم له فلهم بكل شيء مزيد و من كل شيء توحيد، كل خاطر بهم يردهم إليه و كل منظور إليه يدلهم عليه و كل نظرة و حركة طريق لهم إليه. فتوحيدهم في مزيد و يقينهم في تجديد بغير تغيير و لا تصريد و لا إيقاف و لا تحديد، و لربما طلب أحدهم التسبب بالأسباب فيجمعه بها رب الأرباب لأنه مراد بالاجتماع و إنما استروح بالشتات لاستجمام ما هو في قلبه آت ثقة منه بحبيبه و تمكنا عند محبوبه إذ قد علم أنه طالب فطرح نفسه ليحمله فحمله بما تولاه و لم يكله إلى نفسه و هواه. فهذه مقامات لأهلها لا يعرفها سواهم و لا تصلح إلّا لهم و لا تليق إلّا بهم و لا يقاس عليها و لا يدعى مكانها و لا تنتظر فتترك لها الأوراد و لا تتوقع فيقصر لأجلها في الاجتهاد و المرادون بها محمولون بها مواجهون بعلمها مسلوك بهم طريقها مزوّدون زادها و هي محبوسة عليهم مقصورة لهم فهم لها سابقون. فأولياء الله عابدوه و قد عكفوا بقلوبهم لمن عبدوه و نظروا إلى معبودهم الذي عكفوا عليه ففهموا عنه فصل الخطاب بما آتاهم من شهادة حكمه حكم الكتاب إذ يقول: وَ انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً [طه: ٩٧] بعد قوله للغافلين فصيرهم معرضا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين مع قوله: أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ [ ٦]. إن هذا الشيء يراد إلى قوله: وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور: ٤٨]. فعلموا أن الإخلاص الذي أمروا به هو العبادة و لا عبادة إلا بمجانبة الهوى و بعدها الإنابة إلى المولى. أما سمعت قوله عزّ و جلّ: وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَ أَنابُوا إِلَى الله لَهُمُ الْبُشْرى [الزمر: ١٧] و أيقنوا أن الصلاة عماد الدين و لا صلاة إلا للمتقين و لا تقوى إلا بإنابة. كما قال تعالى: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَ اتَّقُوهُ [الروم: ٣١] ثم قال: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ لا تَكُونُوا من الْمُشْرِكِينَ [الروم: ٣١] فهذه عبادة العارفين على سنة النبيين فإنابتهم مشاهدتهم لمذكورهم كقوله في وصف ضدهم: كانَتْ أَعْيُنُهُمْ في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي [الكهف: ١٠١] فهم عن كشف من ذكره إذ كانوا بضد وصفهم و حقيقة ذكرهم نسيانهم لسوى مذكورهم بمعنى قوله: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [الكهف: ٢٤] فأخرجهم الذكر له إلى الفرار إليه كما فهموا عنه إذ يقول: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام: ١٥٢] ففروا إلى