قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٥٤ - ذكر الأوراد و ما يرجى بها من الازدياد
الله فلما هربوا آواهم بقربه و وهب لهم هداية إلى حبه و نشر لهم من رحمته و طواهم في قبضتيه فلم يرهم إلا هم و لم يعرفهم سواهم. و قد قال تعالى: وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا الله فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ من رَحْمَتِهِ [الكهف: ١٦] و قال تعالى: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات: ٩٩] ذكر الأوراد و ما يرجى بها من الازدياد و لكن بمواصلة الأوراد المرسومة و الأعمال الموقتة المعلومة يستبين للمريد النقصان من المزيد و يعرف قوّة العزم و الشره من وهن العادة و الفترة في الأوراد أيضا فضيلة و هو أن العامل إذا شغل عنها بمرض أو سفر كتب له الملك مثل ثواب ما كان يعمل في الصيحة. و قد يكون نوم العارف أفضل من صلاة الجاهل لأن هذا النائم سالم و هو ذلك الزاهد العالم إذا استيقظ وجد و هذا الصائم القائم لا يؤمن عليه الآفات و تطرقه الأعداء في العبادات و هو ذلك الجاهل المغتر إذا وجد فقد. و قد روينا في خبر نوم العالم عبادة و نفسه تسبيح و في الحديث عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. و روينا في خبر مقطوع لو وقعت هذه على هذه يعني السماء على الأرض ما ترك العالم علمه لشيء و لو فتحت الدنيا على عابد ترك عبادة ربه و لأن العالم قد يكاشف في نومه بالآيات و العبر و يكشف له الملكوت الأعلى و الأسفل و يخاطب بالعلوم و يشاهد القدرة من معنى ما تشهده الأنبياء في يقظتهم فيكون نوم العارف يقظة لأن قلبه حياة و يكون يقظة الغافل نوما لأن قلبه موات فيعدل نوم العالم يقظة الجاهل و تقرب يقظة الجاهل الغافل من نوم العالم. كيف و قد جاء في خبر أبي موسى أن النبي صلّى الله عليه و سلم نظر إلى أحد فقال: هذا جبل أحد و لا يعلم خلق وزنه و إن من أمتي من تكون التسبيحة منه و التهليلة أوزن عند الله عزّ و جلّ منه. و في حديث ابن مسعود إذ قال لعمر: ما أنكرت أن يكون عمل عبد في يوم واحد أثقل من في السموات و الأرض ثم وصف ذلك بأنه هو العاقل عن الله عزّ و جلّ الموقن العالم به. و قد سئلت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم في رمضان فقالت: ما كان يخص رمضان بشيء دون غيره و لا كان يزيد في رمضان على سائر السنة شيئا و قال أنس بن مالك: ما كنت تريد أن ترى رسول الله صلّى الله عليه و سلم نائما من الليل إلا رأيته و لا تريد أن تراه قائما إلا رأيته. و كان رسول الله صلّى الله عليه و سلم ينام ثم يقوم قدر ما نام ثم ينام قدر ما قام ثم يقوم قدر ما نام ثم ينام ثم يخرج إلى الصلاة. و قالت عائشة رضي الله عنها: ما صام رسول الله صلّى الله عليه و سلم شهرا كاملا قط إلا رمضان و لا قام ليلة إلى الصبح حتى ينام منها. قالت: و كان يصوم من الشهر و يفطر و يقوم من الليل و ينام. و في الخبر الآخر: كان يصوم. حتى تقول لا يفطر و يفطر حتى تقول لا يصوم و كان