قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦١ - شرح مقام الشكر و وصف الشاكرين و هو الثالث من مقامات اليقين
الشكر عند الشاكرين معرفة القلب و وصفه لا وصف اللسان. و قد أخبر رسول الله صلّى الله عليه و سلم بذلك و أمر باقتناء الشكر و اتخاذه مالا في الآخرة عوضا من اقتناء الأموال في الدنيا. فقال في حديث ثوبان و عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: حين نزل في الكنوز ما نزل سأله عمر: أيّ المال نتخذ؟ فقال: ليتخذنّ أحدكم لسانا ذاكرا و قلبا شاكرا. و روينا في أخبار موسى عليه السلام و داود عليه السلام: يا ربّ كيف أشكرك و أنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك. و في لفظ آخر: و شكري لك نعمة أخرى منك توجب علي الشكر لك فأوحى الله تعالى إليه إذا عرفت هذا فقد شكرتني. و في خبر آخر: إذا عرفت أن النعم مني فقد رضيت منك بذلك شكرا و شكر اللسان حسن الثناء على الله تعالى و كثرة الحمد و المدح له و إظهار إنعامه و إكرامه و نشر أياديه و إحسانه و أن لا يشكو لمالك إلى المملوك و لا المعبود الجليل إلى العبد الذليل. و في الخبر: أن النبي صلّى الله عليه و سلم قال لرجل: كيف أصبحت قال: بخير فأعاد عليه النبي السلام السؤال ثانية كيف أنت؟ فقال: بخير فأعاد عليه الثالثة كيف أنت؟ فقال: بخير أحمد الله تعالى و أشكره. فقال: هذا الذي أردت منك يعني إظهار الحمد و الشكر و الثناء. و إنما كان السلف يتساءلون عن أحوالهم إذا التقوا ليستخرجوا بذلك حمدا للَّه تعالى و شكره فيكونوا شركاءه في ذلك لأنهم سبب ذكره للَّه تعالى فمن علمت أنه يشكو مولاه و يتكره عندك قضاءه إذا سألته عن حاله فلا تسأله فتكون أنت سبب شكواه و شريكه في جهله. و ما أقبح بالعبد أن يشكو المولى الذي ليس كمثله شيء و الذي بيده ملكوت كل شيء إلى عبد مملوك لا يقدر على شيء. و من الشكر أن يشكر الله تعالى على اليسير لأن القليل من الحبيب كثير و لأن الله تعالى حكيم فمنعه حكمة و قدرة. فإذا عرف وجه الحكمة في المنع مع القدرة على العطاء علم أنه منعه ليعطيه فثم صار المنع عطاء و اليسير منه كثيرا، و يعلم أن الذل و الصبر عند المنع عزّ و شرف، و هو أفضل و أنفس عند العلماء من التعزز بالعبيد و الشرف بهم، و أن الطمع و التذلل إليهم و الاستشراف إلى عبد مملوك مثلك ذلّ ذليل و حسن الذلّ للعزيز كحسن الذلّ للحبيب و قبح الذلّ للذليل كقبح الذلّ للعدو. و قد قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ من دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ [العنكبوت: ١٧]. و قال تعالى في معناه: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ من دُونِ الله عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [الأعراف: ١٩٤]. و العبادة هي الخدمة و الطاعة بذلّ و لا يحسن للعبد المقبل أن يظهر فقره و فاقته إلى غير مولاه الذي يلي تدبيره و يتولاه لأنه عليم خبير بحاله يسمعه و يراه فهو أعلم بما يصلحه منه. و قد قال الله تعالى في معناه: وَ لَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الْأَرْضِ