قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٧٦ - ذكر من روى عنه أنه أحيا الليل كله
سدسه ففيه رخصة و سعة لقوّام الليل. قلنا هذا تقريب لا تحديد و الله أعلم و النصب اختيارنا في القراءة على معنى كثرة القيام و لمواطأة الخبر عنه للأمر. و قد جاء في الأثر صلّ من الليل و لو قدر حلب شاة فهذا قد يكون أربع ركعات و قد يكون ركعتين. و قال أبو سليمان: من أحسن في نهاره كوفئ في ليله و من أحسن في ليله كوفئ في نهاره و كان يقول: أهل الليل على ثلاث طبقات منهم إذا قرأ متفكرا بكى و منهم إذا تفكر صاح و راحته في صياحه و منهم من إذا قرأ و تفكر بهت فلم يبك و لم يصح. قلت له: من أي شيء صاح هذا و من أي شيء بهت هذا؟ فقال: لا أقوى على التفسير. و قال رجل للحسن: يا أبا سعيد إني أبيت معافى و أحب قيام الليل و أتخذ طهوري فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبك قيدتك يا ابن أخي. و كان الحسن إذا دخل السوق فسمع لغطهم و لغوهم قال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون. و قال بعض السلف: كيف ينجو التاجر من سوء الحساب و هو يلغو بالنهار و ينام بالليل. و قال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته. قيل له: ما هو؟ قال رأيت رجلا بكى فقلت في نفسي هذا مراء. و قال بعضهم: دخلت على كرز بن وبرة و هو يبكي. فقلت: ما بالك أتاك نعي بعض أهلك؟ فقال: أشد. فقلت وجع يؤلمك؟ قال: أشد. قلت فما ذاك؟ قال: بابي مغلق و ستري مسبل و لم أقرأ جزئي البارحة و ما ذاك إلا بذنب أحدثه. و قال محمد بن شبانة: سمعت بعض الشيوخ الثقات المستورين ببغداد يقول: سمعت ابن الصافي البقال بدينور يقول: كان بدينور سجان قال إني بقيت على باب السجن نيفا و ثلاثين سنة فما من أحد حمل إلى السجن من الذين أخذهم الطوف بالليل إلا سألته فقلت له هل صليت صلاة العشاء الآخرة في جماعة إلا قال لا. و قال أبو سليمان: لا يفوت أحدا صلاة في جماعة إلا بذنب و كان يقول: الاحتلام بالليل عقوبة و الجنابة البعد فكأنه بعد من الصلاة و التلاوة إذ في ذلك قرب و من هذا قوله تعالى: فَبَصُرَتْ به عَنْ جُنُبٍ [القص ١١]. و كان الحسن يقول إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل و صيام النهار. و قال بعض العلماء: إذا صمت يا مسكين فانظر عند من تفطر و على أي شيء تفطر فإن العبد ليأكل الأكلة فينقلب قلبه عما كان عليه فلا يعود إلى حاله الأول. و قال آخر: كم من أكلة منعت قيام الليل، و كم من نظرة حرمت قراءة سورة و إن العبد ليأكل الأكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة فبحسن التفقد تعرف المزيد من النقصان و بقلة الذنوب يوقف على التفقد و كان الفضيل يقول: لو رزقت من فهم القرآن و قيام الليل في أول أمري