قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤٣ - ذكر وصف الزاهد و فضل الزهد
البذل. ثم يفترقان في الحكم بعد اجتماعهما في الاسم. فمن جاد بملكه للَّه تعالى كان زاهدا فيه للَّه تعالى و وقع أجره على الله، و من جاد بما له لأجل الناس كان أيضا زاهدا في ذلك موصوفا بالسخاء، و لكن ذلك لنفسه و لأجل هواه و لا أجر له عند الله تعالى إذ لم يكن من عمّال الله تعالى فبطل أجره لأنه عمل لنفسه و حصل شكره و ذكره في الدنيا لأنه عمل لأجل الناس. كما قال ابن المبارك رحمه الله: ما رأيت بين الفتوة و القراءة فرقا إلا في شيء واحد ما حظرت القراءة شيئا إلا قبحته الفتوة و إنما يفترقان في أن القراءة يراد بها وجه الله تعالى، و الفتوة يراد بها وجوه الناس و مدحهم و قد كان أستاذه سفيان الثوري رحمه الله يقول: من لم يحسن يتفتى لم يحسن يقترّى أيّ من لم يعرف أحكام التفتي فيقوم بها حتى يستحق وصف فتى لم يحكم أوصاف التقري حتى يوصف بأنه قارئ. ثم إن العبد قد يجاهد نفسه على الزهد كما يجاهدها على مخالفة الهوى و كما يجاهدها بالصبر على الحقّ بأن يهرج المرغوب و ينفق المحبوب على كراهة من النفس و جمل بالزهد عليها فيكون له مقام في الزهد ينال البرّ و يستوجب مدحا من البرّ، و المتزهد غير الزاهد، و هو الذي يتصنع للزهد و يعمل في أسبابه من التقلّل و رثاثة الحال في كل شيء، فمثله مثل المتصبّرين من الصابر الذي يجهل على نفسه بالصبر و يصابرها على العلم، فيكون له مقام من الصبر. و صفوة الزهد انتظار الموت و قصر الأمل لأن فيهما ترك الادخار و تحسين الأعمال. و قال ابن عيينة: حدّ الزهد أن يكون شاكرا عند الرخاء صابرا عند البلاء. و قال بشر بن الحارث رحمه الله: الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس، من زهد فيهم فقد زهد في الدنيا. و كذلك قال بعض الحكماء: إذا طلب الزاهد الناس فاهرب منه، و إذا هرب من الناس فاطلبه. و قيل ليحيى بن معاذ رحمه الله: متى يكون الرجل زاهدا؟ فقال: إذا بلغ حرصه في ترك الدنيا حرص الطالب لها كان زاهدا. و قال قاسم الجوعي: الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف بقدر ما تملك من بطنك، كذلك تملك من الزهد فكانت الدنيا عنده الشبع و أكل الشهوات. و قال فضيل بن عياض رحمه الله: الزهد هو القناعة فكانت الدنيا عنده هو الحرص و الشره. و قال الثوري: الزهد هو قصر الأمل فكانت الدنيا عنده طول الأمل. و كان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول: الدنيا كلّ ما يشغلك عن الله تعالى فكان الزهد عنده التفرغ للَّه تعالى. و قد قال: إنما الزاهد من تخلى عن الدنيا و اشتغل بالعبادة و الاجتهاد، فأما من تركها و تبطل فإنما طلب الراحة لنفسه. و كان داود