قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤٥ - ذكر وصف الزاهد و فضل الزهد
يبصر ما لا نبصر، كما يقدر على ما لا نقدر. خصّ المشاهدين بمعنى مشاهدته كما خصّهم بالإحاطة بشيء من علمه فأحاط عليهم بما شاء. لما أحاط لهم ما شاء فكان الذهب و الفضة زبدا طافيا تفرّقه الرياح فيكون فوق الماء متجافيا، و هما من معادن الجبال فكانت الجبال عندهم أمواجا ثابتة بإثبات و ساكنة بتسكين تحسبها جامدة، و هي تمر مرّ السحاب صنع الله الذي أتقن كلّ شيء و صارت الأرض بحرا عجاجا يضرب بالأمواج فيظهر بينهما من المدن و القفار للاستواء و الاعوجاج و صار الأنام يسبحون في الأسراب يدبون بين المناكب و الأحداب، أظهر فيهما من كل شيء موزون بمقدار، كتنفس النهار في اللّيل، و كالغشاء على السيل، ذلك لظهور حكمته و خفيّ قدرته و لطيف صنعه و دقيق صنعته ذلك لشهود نعمته من القيام بشكره و جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه و هم من كلّ حدب ينسلون. إن ربّي لطيف لما يشاء فاجتمع الفرق و ارتتق الفتق و غاب كل متفرّق و نطق و كان عرشه على الماء ليبلوكم، فهذه مشاهدة أبناء الآخرة هي أعلى من زهدهم في الدنيا، و افترق الجمع و افتتق الرتق و ظهر من الماء كلّ شيء حيّ ظاهر و اتسع الفضاء و استتر الغطاء و وجد التفصيل و حكم الحسبان بالتحصيل. كانتا رتقا ففتقنيهما و جعلنا من الماء كل شيء حيّ. أ فلا يؤمنون هذه مشاهدة أبناء الدنيا هي أعظم عليهم إذا تيقظوا من غيبهم و جاءت سكرة الموت بالحقّ. ذلك ما كنت منه تحيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد. و النازعات غرقا و الناشطات نشطا و السابحات سبحا، هذه مشاهدة العموم عند الموت فيعظمه عليهم بالحسرة و الفوت. و قد فرغ الخصوص من نصيبهم لمشاهدته فهم ناظرون إلى مستقبل المزيد مشغولون به عن العبيد قائمون بشاهد الحق لهم متصرفون بإشهاده إياهم ظاهرا و باطنا و لطيفا و مستترا و معروفا و منكرا و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون فما غلب عليه لا يظهر و ما غلبه عليهم أيامهم قهر. قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم أصدق كلمة قالها الشاعر: ألا كل شيء ما خلا الله باطل و قال: فالحقّ و الحقّ أقول: خلق سبع سماوات و من الأرض مثلهنّ يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله علي كلّ شيء قدير، و أن الله قد أحاط بكلّ شيء علما. و كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: لو فسّرت لكم هذه الآية لكفرتم قيل: و كيف؟ قال: كنتم تنكرونها و إنكاركم له كفر بها. و في لفظ آخر: لو فسّرت الآية التي في سورة النساء القصري لرجمتموني بالحجارة معناه لكفرتموني لأنهم لا يقتلون إلا كافرا عندهم. و روينا عنه في قوله تعالى جميعا منه قال: في كل شيء اسم حرف من أسمائه، فاسم كل شيء