قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١٨ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
الذنب كمن لا ذنب له. و سئل الحسن عن التوبة النصوح: فقال هي الندم بالقلب و استغفار باللسان و ترك بالجوارح و إضمار أن لا يعود إليه. و قال أبو محمد سهل رحمه الله ليس من الأشياء أوجب على هذا الخلق من التوبة و لا عقوبة أشد عليهم من فقد علم التوبة و قد جهل الناس علم التوبة و قال: من يقول إن التوبة ليست بفرض فهو كافر. و من رضي بقوله فهو كافر و قال: التائب الذي يتوب من غفلته في الطاعات في كل طرفة و نفس. و قد جعل عليّ كرم الله وجهه ترك التوبة مقاما في العمى و قرنه باتباع الظن و نسيان الذكر فقال في الحديث الطويل: و من عمي نسي الذكر و اتبع الظن و طلب المغفرة بلا توبة و لا استكانة ففرض التوبة الذي لا بد للتائب منه و لا يكون محقا صادقا إلا به الإقرار بالذنب و الاعتراف بالظلم و مقت النفس على الهوى و حلّ الإصرار الذي كان عقده على أعمال السيئات و إطابة الغذاء بغية ما يقدر عليه لأن الطعمة أساس الصالحين ثم الندم على ما فات من الجنايات. و حقيقة الندم إن كان حقا إذ لكل حق حقيقة أن لا يعاود إلى مثل ما وقع الندم عليه ثم اعتقاد الاستقامة على الأمر و مجانبة النهي و حقيقة الاستقامة أن لا يقابل ما استقبل من عمره بمثل ما وقع الاعوجاج به و أن يتبع سبيل من أناب إلى الله و أن لا يصحب جاهلا فيرديه ثم الاشتغال بإصلاح ما أفسد في أيام بطالته ليكون من المصلحين الذين تابوا و أصلحوا ما أفسدوا فإن الله عزّ و جلّ لا يصلح عمل المفسدين كما لا يضيّع أجر المحسنين ثم الاستبدال بالصالحات من السيئات و الصالحات من الحسنات ليكون ممن تبدل سيئاته حسنات لتحققه بالتوبة و حسن الإنابة لأن التبديل يكون في الدنيا يبدّل بالأعمال السوأى أعمالا حسنى بدليل قوله تعالى: إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١] فإذا غيّر ما بهم من سيّئ حسنا بدّل سيئاتهم حسنات ثم الندم و دوام الحزن و حقيقة الندم و الحزن على الفوت أن لا يفرط و لا يني في وقت دركه و لا يرجع و لا ينثني في حيز استبداله فيفوت نفسه وقتا ثانيا إذ كان يعمل في درك ما فات و لا يفوت ما أدرك في حال تيقظه فتكون يقظته شبيها بما مضى من غفلته إذ كان في درك ما فات شبيها بما مضى من غفلته إذ لا يدرك الفوت بالفوت و لا ينال النعيم بالنعيم ليكون كما وصف الله تعالى: وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً قيل: الاعتراف و الندم. و قال أبو سليمان الداراني: لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على فوت ما مضى منه في غير الطاعة لكان خليقا أن يحزنه ذلك إلى الممات فكيف بمن يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله.