قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٩١ - ذكر ما أحدث الناس من القول و الفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف
ذكر ما أحدث الناس من القول و الفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف كان الناس قديما إذا التقوا يقول أحدهم: لصاحبه ما خبرك و ما حالك؟ يعنون بذلك ما خبر نفسك في مجاهدتها و صبرها و ما حال قلبك من مزيد الإيمان و علم اليقين و يريدون أيضا ما خبرك في المعاملة لمولاك و ما حالك في أمور الدنيا و الآخرة هل ازددت أم انتقصت فيتذاكرون أحوال قلوبهم و يصفون أعمال علومهم و يذكرون ما وهب الله تعالى لهم من حسن المعاملة و ما فتح لهم من غرائب الفهوم فكان هذا من تعديد نعم الله تعالى عليهم و من جميل شكرهم و يكون مزيدا لهم في المعرفة و المعاملة. و قد كان بعضهم يقول: أكثر علومنا و مواجيدنا ما يعرفه بعضنا من بعض و ما يخبر به أحدنا أخاه إذا التقينا فقد جهل هذا اليوم فترك. فهم إذا تساءلوا عن الخبر و الحال إنما يريدون به أمور الدنيا و أسباب الهوى ثم يشكو كل واحد مولاه الجليل سبحانه و تعالى إلى عبده الذليل و يتسخط أحكامه و يتبرأ بقضائه و ينسى نفسه و ما قدمت يداه فمثله كما قال تعالى: وَ من أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَ نَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ [الكهف: ٥٧]. و كما قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات: ٦] قيل كفور بنعمته يعدد المصائب و ينسى النعم كل ذلك جهالة باللّه تعالى و غفلة عنه. و منه قولهم: الآن كيف أصبحت و كيف أمسيت؟ هذا محدث. إنما كانوا إذا التقوا قالوا: السلام عليكم و رحمة الله. و في الخبر: من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه و إنما حدث هذا في زمان الطاعون الذي كان يدعى طاعون عمواس بالشام من الموت الذريع. كان الرجل يلقى أخاه غدوة فيقول كيف أصبحت من الطاعون و يلقاه عشية فيقول كيف أمسيت منه لأن أحدهم كان إذا أصبح لم يمس و إذا أمسى لم يصبح. فبقي هذا إلى اليوم و نسي سببه و كان من عرف حدوثه من المتقدمين يكرهه. حدثونا عن أحمد بن أبي الحواري قال: قال رجل لأبي بكر بن عياش: كيف أصبحت أو كيف أمسيت فلم يكلمه. و قال: دعونا من هذه البدعة قال: و قلت لبعض السلف: كيف أصبحت فأعرض عني و قال ما كيف أصبحت قل بالسلام. و روى أبو معشر عن الحسن رضي الله عنه إنما كانوا يقولون السلام عليكم سلمت و الله القلوب. فأما اليوم كيف أصبحت أصلحك الله كيف أمسيت عافاك الله. فإن أخذنا بقولهم كانت بدعة ألا و لا كرامة فإن شاءوا غضبوا علينا و من ذلك ابتداء الرجل في عنوان