قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٩٠ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
ذلك ممّا لا نذكره من علم التوحيد و معرفة معاني الصفات و علوم المكاشفة بتجلي الذات و إظهار الأفعال الدالة على معاني الصفات الباطنة و ظهور المعاني الدالة على النظر و الإعراض و التقريب و الإبعاد و النقص و المزيد و المثوبة و العقوبة و الاختباء و الاختيار. و قد ذكرنا من جميع هذه المعاني فصولا و رسمنا جملا و أصولا تنبه على فروعها و ندل على أشكالها لمن وفق لتدبرها و أريد بتذكرها و جعل له نصيب منها. و قال بعض علمائنا: أعرف للمتقدمين سبعين علما كانوا يتحاورونها و يتعارفونها في هذا العلم لم يبق منها اليوم علم واحد يعرف. قال: و أعرف في زماننا هذا علوما كثيرة من الأباطيل و الدعاوي و الغرور. و قد ظهرت و سميت علوما لم تكن فيما مضى تعرف فهذا كالشراب الذي وصفه الله تعالى فقال: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور: ٣٩]. و كان الجنيد رحمه الله تعالى من قبله يقول: علمنا هذا الذي نتكلم فيه قد طوي بساطه منذ عشرين سنة و إنما نتكلم في حواشيه و كان يقول أيضا قد كنت أجالس قوما سنين يتحاورون في علوم لا أفهمها و لا أدري ما هي و ما بليت بالإنكار قط كنت أتقبلها و أحبها من غير أن أعرفها و كان أيضا يقول كنا نتجارى مع إخواننا قديما في علوم كثيرة ما تعرف في وقتنا هذا و لا سألني عنها أحد، و هذا باب قد أغلق و ردم. و لما صنف شيخنا أبو سعيد بن الأعرابي كتاب طبقات النساك و وصف أوّل من تكلم في هذا العلم و أظهره ثم من بعده من البصريين و الشاميين و أهل خراسان إلى أن كان آخرهم البغداديين. و قال آخر: من تكلم في هذا صاحبنا جنيد القواريري و كانت له بصيرة فيه و حقيقة و حسن عبارة و ما بقي بعده إلا من مجالسته غيظ. و قال مرة أخرى: ما بقي بعد جنيد إلا من يستحي من ذكره و قد كان إمامنا أبو محمد سهل رحمه الله يقول بعد سنة ثلاثمائة لا يحل أن يتكلم بعلمنا هذا لأنه يحدث قوم يتصنعون للخلق و يتزينون بالكلام لتكون مواجيدهم لباسهم و حليتهم كلامهم و معبودهم بطونهم. و قد كان حذيفة رضي الله عنه إذا سئل أي الفتن أشد فقال: إن يعرض عليك الخير و الشر فلا تدري أيهما تأخذ لكثرة الشبهات كما كان سهل يقول بعد سنة ثلاثمائة لا يصح لأحد توبة لأنه يفسد خبزهم و هم لا يبصرون عن الخبز يعني أن أول التوبة أكل الحلال و قد روينا في خبر يأتي على الناس زمان يضلون فيه دينهم فلا يعرفونه يصبح الرجل على دين و يمسي على دين يضل أمره على غير يقين و تسلب عقول أكثر أهل ذلك الزمان و أوّل ما يرفع عنهم الخشوع ثم الإجابة ثم الورع و يقال: أوّل ما يرفع من الناس الألفة.