قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦ - الفصل السابع في ذكر أوراد النهار
الله عزّ و جلّ. فأقام الاسم مقام الفعل و هو الطرف الثاني من النهار الذي أمر الله عزّ و جلّ فيه بالتسبيح بقوله عزّ و جلّ: فَسَبِّحْ وَ أَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى [طه: ١٣٠]. و يستحب أن يقرأ قبل غروب الشمس وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها [الشمس: ١] وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى [الليل: ١] و المعوّذتين و أن تغرب الشمس عليه و هو في الاستغفار فذلك مما أمر به في هذا الوقت من الأذكار. و كل ما يستحب من التسبيح و الحمد و الدعاء و الذكر في أوّل النهار قبل طلوع الشمس فإنه يستحب في هذا الورد قبل غروب الشمس لأنّ الله تعالى قرنهما في الذكر فقال تعالى: وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِها [طه: ١٣٠]. و قال تعالى: وَ أَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى [طه: ١٣٠]. و قال تعالى: بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ [غافر: ٥٥]. و قال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. من شَرِّ ما خَلَقَ. وَ من شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ [الفلق: ١- ٢- ٣]. أي من شر الليل إذا دخل. فليعد العبد ما ذكرناه في الورد الأول من الأدعية و التسبيح و ليقل عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك و إدبار نهارك و أصوات دعاتك و حضور صلاتك و شهود ملائكتك. صلّ على محمد و على آله و أعطه الوسيلة و الفضيلة و ابعثه المقام المحمود الذي وعدته. ثم ليقل: رضيت باللّه ربّا و بالإسلام دينا و بمحمد صلّى الله عليه و سلّم نبيا، ثلاثا. ففي هذا أثر و فضل. و كذلك فليقل مثله إذا سمع أذان الفجر إلا أنه يقول: عند إدبار ليلك و إقبال نهارك و النص بهذا في صلاة المغرب. و كان الحسن البصري يقول: كانوا أشد تعظيما للعشي منهم لأول النهار. و قال بعض السلف: كانوا يجعلون أول النهار للدنيا و آخره للآخرة. فإذا توارت بالحجاب انقضت أوراد النهار السبعة. فانظر أيها المسكين ما ذا انقضى لك معها و ما ذا انقضى منك عندها و ما ذا قضى عليك فيها. فقد قطعت من عمرك مرحلة و نقصت من أيامك يوما. فما ذا قطعت في سفرك بقطع مرحلتك و ما ذا ازددت في غدك بما نقصت من يومك. قال النبي صلّى الله عليه و سلّم: الناس غاديان: فغاد لنفسه فمعتقها أو راهن نفسه فموبقها. و قد قال الله عزّ و جلّ في تصديق قول رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤]. و قال في معناه: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ [المدثر: ٣٨- ٣٩]. و جاء في الخبر: لا بورك لي في يوم لا أزداد فيه خيرا. و جاء في الأثر: من استوى يوماه فهو مغبون و من كان يومه شرا من أمسه فهو محروم. ثم دخلت أوراد الليل الخمس فتدارك الآن رحمك الله تعالى فيما يستقبل من الليل ما فات فيما مضى من النهار. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه و سلّم: أن الله عزّ و جلّ يبغض كل جعظريّ جوّاظ أي سمين كثير الأكل سخاب بالأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة.