قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢٣ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
ذلك فقال بعضهم: حقيقة التوبة أن تنصب ذنبك بين عينيك و قال آخر: حقيقة التوبة أن تنسى ذنبك، و هذا طريقان لطائفتين و حالان لأهل مقامين فأما ذكر الذنوب فطريق المريدين و حال الخائفين يستخرج منهم بتذكرها الحزن الدائم و الخوف اللازم، و أما نسيان الذنوب شغلا عنها بالأذكار و ما يستقبل من مزيد الأعمال فطريق العارفين و حال المحبين و وجهة هؤلاء شهادة التوحيد و هي مقام في التعريف و وجهة الأولين مشاهدة التوقيف و التحديد و هي مقام في التعريف. ففي أيّ المقامين أقيم عبد قام بشهادة وجهته و عمل بحكم حالته و مقام شهادة التوحيد أفضل عند العارفين من مقام مشاهدة التعريف و إن كانت هذه أوسع و أكثر إلا أنها في أصحاب اليمين و في عموم المقربين. و شهادة التوحيد أضيق و أقل و أهلها أعلى و أفضل و هي في المقرّبين و خصوص العارفين و قد يعترض المريد بقصة داود عليه السلام في تذكره و نوحه على خطيئة فإن الأنبياء لا يقاس عليهم لمجاوزتهم حدود من دونهم و قد يقلبون في أحوال المريدين و يسلك بهم سبيل المتعلمين و ذلك لأجل الأمة ليكون طريقا للعالمين. و اعلم أنه لا يؤمن على ضعيف اليقين قوي النفس عند تذكّر الذنوب نظر القلب إليها بشهوة أو ميل نفس معها بحلاوة فيكون ذلك سبب فتنته فيفسد من حيث صلح كما لا يؤمن على معتاد خطيئة بالنظر إلى سببها حركة النفس إليها و إن كان الأفضل الاتفاق معها ما لم يكن الاتفاق معصية لمجاهدة النفس بالصبر عنها إلا أن ذلك غرور و فيه خطر فترك الاجتماع و قطع الأسباب حينئذ أسلم و ما كان أسلم للمريد فهو أفضل و في نسيان الذنوب الذكر لما يستقبل و الانكماش على ما يفوت من الوقت خوف فوت الثاني. و قد كان بعض أهل المعرفة يكره للمريد أن يكون وسواسه الجنة أو نذكر ما فيها من النعيم و اللباس و الأزواج و قال: و استحب للمريد أن يكون وسواسه ذكر الله تعالى و خواطره و هممه متعلقة بالله تعالى لا سواه قال: لأن المريد حديث عهد بتوبة غير معتاد لطول الاستقامة و العصمة. فإذا تذكر نعيم الجنة لم آمن عليه لضعف قلبه أن يشتهي مثله مما يشاهد في الدنيا من اللباس و الطيبات و النكاح لأن هذا عاجل و ذاك آجل فتطلب نفسه مثل ما تذكرت من نعيم الآخرة معجلا في الدنيا قال: فإذا كان همه الله تعالى كان أبعد له من زينة الدنيا و شهواتها و لم يجتر العدو بتمثيل ذلك له من العاجل إلى أن يقوى يقينه و تنتقل عادته و تدوم عصمته. و قد اختلف أهل العلم أيضا في عبد ترك ذنبا و عمل في الاستقامة و نفسه تنازعه إليه و هو يجاهدها. و في آخر: ترك الذنب و انكمش في الإصلاح فلم تكن نفسه تطالبه فلا تنازعه إلى الذنب و لم يكن على قلبه منه ثقل و لا مجاهدة. أيّ