قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢٤ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
هذين أفضل فقال بعض علماء أهل الشام: الذي تنازعه نفسه إلى الذنب و هو يجاهدها أفضل لأن عليه منازعة و له فضل مجاهدة. و مال إلى هذا القول أحمد بن أبي الحواري و أصحاب أبي سليمان الداراني. و قال علماء البصرة: الذي سكنت نفسه عن المنازعة بشاهد من شواهد اليقين و الطمأنينة فلم يبق فيه فضل لعود و لا طلب لمعتاد أفضل. و مال إلى هذا رباح بن عمرو القيسي و هو من كبار علماء البصريين. و قال: لو فتر هذا لكان هذا أقرب إلى السلامة و لم يؤمن على الآخر الرجوع و هذا كما قال. و قد اختلف العلماء أيضا في عبدين سئل أحدهما شيئا: من بذل ماله في سبيل الله فأبت نفسه عليه و ثقل عليها ذلك فجاهدها و أخرج ماله. و سئل آخر. بذل ماله فبذله مع السؤال طوعا من غير منازعة نفس و لا ثقل عليها و لا مجاهدة منه لها أيهما أفضل؟ فقال: قوم المجاهد لنفسه أفضل لأنه اجتمع له الإكراه و المجاهدة فحصل له عملان. و ذهب إلى هذا القول ابن عطاء و أصحابه. و قال آخرون: الذي سمحت نفسه بالبذل طوعا من غير إكراه و لا اعتراض أفضل قال: لأن مقام هذا في سخاوة النفس و التحقق بالزهد أفضل من جميع أعمال الأول من الإكراه و المجاهدة. و من بذل ماله على ذلك و لأن الأول و إن غلب نفسه في هذه الكرة لا يأمن غلبتها له في كرة ثانية أو ثالثة إذ ليس السخاء من مقامها لأنها كانت محمولة عليه و إلى هذا ذهب الجنيد رحمه الله و هو عندي كما قال اللفظ لنا. و سئل أبو محمد سهل عن الرجل يتوب من الشيء و يتركه ثم يخطر ذلك الشيء بقلبه أو يراه أو يسمع به فيجد حلاوة فقال: الحلاوة طبع البشرية و لا بدّ من الطبع و ليس له حيلة إلا أن يرفع قلبه إلى مولاه بالشكوى و ينكره بقلبه و يلزم نفسه الإنكار و لا يفارقه و يدعو الله تعالى أن ينسيه ذكر ذلك و يشغله بغيره من ذكره و طاعته. و قال: فإن هو غفل عن الإنكار طرفة عين أخاف عليه أن لا يسلم و تعمل الحلاوة في قلبه و لكن مع وجدان الحلاوة يلزم قلبه الإنكار و الحزن فإنه لا يضره. و هذا عندي هكذا لأن التوبة لا تصحّ مع بقاء الشهوة. و يكون العبد مرادا بالمجاهدة، و هذا حال المريدين و محو الشهوات من القلب بدوام التولي وصف العارفين و ربما تعلق بالذنب ذنوب كثيرة هي أعظم منه مثل الإصرار عليه و الاغتباط به و تسويف التوبة بعده و وجد حلاوة الظفر بمثاله أو وجد الحزن و الكراهة على فوته و السرور بعمله أو حمل غيره عليه إن كان ذنبا بين اثنين أو إنفاق مال الله سبحانه و تعالى فيه فهو كفر النعمة به. و قد قيل: من أنفق درهما في حرام فهو مسرف و من ذلك أن يستصغر الذنب و يحتقره فيكون أعظم من اجتراحه أو يتهاون بستر الله