قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨ - الفصل الثامن في ذكر أوراد الليل الخمسة
[السجدة: ١٦]. قال الصلاة فيما بين العشاءين. ثم قال عليكم بالصلاة فيما بين العشاءين فإنها تذهب بملاغات أول النهار و تهذب آخره. قوله الملاغات: جمع ملغاة من اللغو أي تسقط اللغو أي تطرح المطرح عن العبد من الباطل و اللهو و تهذب له آخره أي تصفيه و تجوده. و يستحب العكوف في المسجد بين العشاءين للصلاة و تلاوة القرآن. فقد روي فضل ذلك لا أن يكون بيته أسلم له لدخول آفة عليه فما سلم فيه فضل به. ثم ليصل قبل العشاء الآخرة أربعا و بعدها ركعتين ثم أربعا و يقال إن الأربع بعد صلاة العشاء في بيته يعدلن مثلهن من ليلة القدر. و كان رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يصليهن في بيته أول ما يدخل قبل أن يجلس. و كان ابن مسعود يكره أن يصلي بعد كل صلاة مثلها و كانوا يستحبون أن يصلّي بعد المكتوبة ركعتين ثم أربعا. و إن قرأ في الأربع في الأولى آية الكرسي و الآيتين اللتين بعدها و في الثانية آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ من رَبِّهِ [البقرة: ٢٨٥]، و الآية قبلها و في الثالثة أول الحديد إلى قوله عزّ و جلّ: وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [الحديد: ٦]، و في الرابعة آخر الحشر من قوله تعالى: هُوَ الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ [الحشر: ٢٢]، فقد أحسن و أصاب. فإن صلّى بعد الأربع ثلاث عشرة ركعة آخرهن الوتر إن أحب. فإن هذا العدد أكثر ما روي أن النبي صلّى الله عليه و سلّم صلّى به من الليل إلا في خبر مقطوع و هو سبعة عشر ركعة. و المشهور أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة و ثلاث عشرة ركعة و ربما حسبوا فيها ركعتي الفجر و استحب له أنه يقرأ في ركوعه هذا ثلاثمائة آية فصاعدا فإذا فعل ذلك لم يكتب من الغافلين و دخل في أحوال العابدين. فقد قيل إنّ الأكياس يأخذون أوقاتهم من أول الليل و الأقوياء يأخذون أورادهم من آخر الليل. فإن قرأ في ركوعه هذا سورة الفرقان و سورة الشعراء ففيهما ثلاثمائة آية فإن لم يحسنهما قرأ خمسا من المفصل فيهن ثلاثمائة آية سورة الواقعة، و سورة نون، و سورة الحاقة، و سورة المدثر، و سورة سأل سائل. فإن لم يحسنهن قرأ من سورة الطارق إلى آخر القرآن ثلاثمائة آية. و لا يستحب للعبد أن ينام حتى يقرأ هذا المقدار من الآي في هذا العدد من الركوع بعد صلاة العشاء الآخرة. فإن قرأ في هذا الورد الثاني أعني بعد صلاة العشاء الآخرة و قبل أن ينام ألف آية فقد استكمل الفضل و كتب له قنطار من الأجر و كتب من القانتين. و أفضل الآي أطولها لكثرة الحروف و إن اقتصر على قصار الآي عند فتوره أدرك الفضل لحصول العدد. و من سورة الملك إلى آخر القرآن ألف آية فإن لم يحسن قرأ: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ [الإخلا ١] مائتي و خمسين مرة في ثلاث عشرة ركعة فإن فيها ألف آية فهذا فضل عظيم و في الخبر من قرأها عشر مرات بني الله عزّ و جلّ له قصرا في الجنة.