قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٣٣ - باب آخر من البيان و التفصيل
بلغه أن عمرو بن عبيد و هو إمام المعتزلة اليوم و إليه نسبوا لما اعتزل عن الحسن البصري بعد أن صحبه و لم يختم له بصحبته بلغه أنه يقول إنّ الله لا يقضي بالشيء ثم يعذب عليه فقال له: ويلك إن الله عزّ و جلّ لا يعذب على جريان حكمه و إنما يعذب على مخالفة أمره. تفسير ذلك أن ما حكمه الله تعالى منفردا به لم يجعل فيه أمرا و لا نهيا لا يعذب عليه لأنه لم يجعل للعبد مدخلا فيه بشهوة و لا فعل و إن ما قضاه على العبد مما أدخله فيه بقصده و شهوته عذبه عليه و هذا من شؤم النفس و تكدير الخلق أنها إذا أدخلت في شيء انقلب عليها شره و الأمة مجتمعة على قول ما شاء الله كان، و ما لم يشأ لم يكن و اجتمعت على قول: لا حول و لا قوّة إلا باللّه. فهذا عام في كل شيء ليس في بعض الأشياء دون بعض و الحول في اللغة هو الحركة و العرب تقول للشخص يبدو من بعيد يظن أنه إنسان أو شجرة أو صخرة انظروا إليه فإن كان يحول فهو إنسان أي يتحرك و القوّة هو الثبات بعد الحركة و هو أول الصبر حتى يظهر الفعل بقوّة الله تعالى. و قد روينا في تفسير ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله و لا قوّة على طاعة الله إلا بعون الله. و هذا التفصيل في هذه المعاني من الأحكام هو ظاهر العلم و فرض القدر و فحوى التنزيل و الشرع و الجبر للملك الجبار يجبر خلقه على ما شاء كما خلقهم لما شاء و يردهم إلى ما شاء كما ينشئهم فيما يشاء فالحكم لله العلي الكبير الواحد القهار يقهر عباده كيف شاء و يجري عليهم ما يشاء و له الحجة البالغة و العزة القاهرة و القدرة النافذة و المشيئة السابقة بوصف الربوبية و بحكم الجبرية و عليهم الاستسلام و الانقياد و الطاعة و الاجتهاد طوعا و كرها بوصف العبودية و بحق الملكة إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم إن تعذبهم فإنهم عبادك و على الله قصد السبيل و منها جائر و لو شاء لهديكم أجمعين. لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ [الروم: ٤].