قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧٣ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
القصاص في الطرق الذين يخلطون و يغلطون و يقدمون و يؤخرون و قد قسم بعض العلماء المتكلمين ثلاثة أقسام فوصفهم بأماكنهم فقال المتكلمون ثلاثة أصحاب الكراسي و هم القصاص و أصحاب الأساطين و هم المفتنون و أصحاب الزوايا و هم أهل المعرفة فمجالس أهل العلم باللّه تعالى و أهل التوحيد و المعرفة هي مجالس الذكر و هي التي جاءت فيها الآثار. و في الخبر: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها قيل: و ما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر. و في الحديث أن للَّه تعالى ملائكة سياحين في الهواء فضلا عن كتاب الخلق إذا رأوا مجالس الذكر ينادي بعضهم بعضا: ألا هلموا إلى بغيتكم فيأتوهم حتى يجلسوا إليهم فيحفون بهم و يستمعون منهم ألا فاذكروا الله و اذكروا أيامه. و قال وهب بن منبه اليماني: مجلس يتنازع فيه العلم أحب إليّ من قدره صلاة لعل أحدهم يسمع الكلمة فينتفع بها السنة أو ما بقي من عمره. و سئل أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن مجالس الذكر و فضلها فرغب فيها و قال رحمه الله: و أي شيء أحسن من أن يجتمع الناس فيذكرون الله عزّ و جلّ و يعددون نعمه عليهم كما قالت الأنصار. و روينا عن عليّ كرم الله وجهه: ما يسرني أن الله تعالى أماتني طفلا و أدخلني الدرجات العلى من الجنة قيل: و لم؟ قال: لأنه أحياني حتى عرفته. و قال مالك بن دينار: خرج الناس من الدنيا و لم يذوقوا طيب شيء فيها قيل: و ما هو؟ قال: المعرفة ثم أنشأ يقول: إن عرفان ذي الجلال لعز و ضياء و بهجة و سرور و على العارفين أيضا بهاء و عليهم من المحبة نور فهنيا لمن عرفك إلهي هو و الله دهره مسرور و قال يحيى بن معاذ الرازي: في الدنيا جنة من دخلها لم يشتق إلى شيء و لم يستوحش. قيل: و ما هي؟ قال: معرفة الله تعالى. و قال آخر: لم يخطئك من العارف إحدى ثلاث خلال تدل عليه هيبة أو حلاوة أو أنس. و قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله: خرج العلماء و الزهاد و العباد و قلوبهم مقفلة و لم يفتح إلا قلوب الصديقين و الشهداء ثم تلا و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو يعني مقفلة عن مفاتح المعرفة و شهادة عين التوحيد فمجالس الذكر هذه قديما كانت لأهل المعرفة و أصحاب معاملات القلوب و علم الباطن و هم علماء الآخرة و أهل الفقه في الدين. و قد قال الله تعالى و هو أصدق القائلين: فَلَوْ لا نَفَرَ من كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ [التوبة: ١٢٢] الآية. فذكر الفقة الذي