قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩٣ - ذكر المقام الرابع من مراقبة الموقنين
[النساء: ١٦٨] فلم يغفر لهم بكفرهم و لم ينوّر لهم طريق الهداية بظلمهم. و كذلك قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: الظلم ظلمات يوم القيامة و مثل ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَ لَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠] فصار عليهم عذابان: عذاب جهنم بما لم يتوبوا و عذاب الحريق بما فتنوا المؤمنين. و مثله قوله تعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِها في الْحَياةِ الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ [التوبة: ٥٥] أي يريد أن يعذبهم بها في الدنيا و يريد أيضا أن تزهق أنفسهم على الكفر ليعذبهم بها في الآخرة و هذا نص صريح: إن الله تعالى يريد الكفر من الكافر لأن تزهق انتصب بالعطف على يريد الأول و الواو فيه للجمع و قد قيل إن في هذه الآية تقديما و تأخيرا فيكون المعنى: و لا تعجبك أموالهم و لا أولادهم في الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم في الآخرة فأراد أن يجمع العذابين عليهم في جهنم: أحدهما الأموال و الأولاد، و الثاني لإرادته تعالى أن تخرج نفوسهم على الكفر فمن لا مال له و لا ولد له منهم كان عليه عذاب واحد في جهنم لأجل قوله تعالى: بها أي بسببها، و هذا مواصل للخبر الذي جاء أن فقراء الكفار يدخلون النار بعد أغنيائهم بخمسمائة عام لأجل الفقر الذي كانوا فيه في الدنيا كما أن الفقراء من المؤمنين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لأجل غنى أولئك. و في الخبر أيضا و تدخل المرضى إلى الجنة قبل الأصحّاء بأربعين خريفا و يدخل المقتول في سبيل الله مقبلا قبل المقتول في الله مدبرا بأربعين خريفا و تدخل المماليك قبل الموالي بأربعين خريفا و يدخل سليمان بن داود الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفا لمكان ملكه فالحسرة العظمى و الفوات الأكبر الذي لا درك له و هو تأبيد حرمان ما أعطي غيرك من المزيد هناك لفوت أوقاتك في الدنيا هاهنا ثم درك ذلك بأوقاته العامرة هاهنا تأبيد مزيد جزائه ثم و هذا هو التغابن، غبن العاملون البطالين و غبن السابقون المخلفين و غبن المسارعون المثبطين ثم خلود العبد البطال المغبون في الدنيا في تأبيد حرمان مزيد الغابن العامل و من هذا قوله صلّى الله عليه و سلم: ما من ساعة تأتي على ابن آدم لا يذكر الله تعالى فيها إلا كانت عليه حسرة و ان دخل الجنة. و في لفظ آخر. و هو أشد إلا كانت عليه ترة يوم القيامة أي مطالبة و مؤاخذة. فالحسرة في الجنة بعد دخولها و الظفر بنعيمها هو ما ذكرناه من حرمان مزيد العاملين فيها ثم دوام الحرمان مؤبد بها و هو كون العبد في نقصان درجة غيره ثم هو مخلد في النقصان سرمدا و مع ذلك فلا يؤبه له و لا يفطن به كيلا ينقص عليه نعيمه