قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١١ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
مما طلعت عليه الشمس في حياتي أجعله في سبيل الله تعالى. و حدثني بعض إخواني الصادقين و كان خائفا أنه أوصى بعض إخوانه فقال: إذا حضرتني الوفاة فاقعد عند رأسي فإذا عاينت فانظر إليّ فإن رأيتني متّ على التوحيد فاعمد إلى جميع ما أملكه فاشتر به لوزا و سكرا و انثره على صبيان أهل المدينة و قل: هذا عرس المنفلت، و إن رأيتني متّ على غير التوحيد فأعلم الناس أني قد متّ على غير التوحيد حتى لا يغتروا بشهود جنازتي ليحضر جنازتي من أحبّ على بصيرة لئلا يلحقني الرياء فأكون قد خدعت المسلمين فقلت: و من أين أعلم أنك قد متّ على التوحيد؟ فذكر له علامة تظهر من بعض الأموات لم نحبّ ذكرها. قال: فكنت عند رأسه أنظر إليه كما أمر، حتى أعاين فرأيت علامة حسن الخاتمة و أمارة الموت على التوحيد قد ظهرت و فاضت روحه. قال: فنفّذت وصيتّه كما أمر و لم أحدّث بذلك إلا خصوص إخواني من العلماء، و ذلك أن العبد مهما عمل في حياته من سوء أعيد ذكره عليه عند فراق الحياة و وقعت مشاهدته فيه عند آخر ساعة من عمره. فإن استحلى ذلك بقلبه أو استهواه بنفسه وقف معه فإذا وقف معه حسب عليه عملا له و إن قل و كان ذلك خاتمته و كذلك ما عمل من خير أعيد ذكره و مشاهدته عليه فإن عقد عليه بقلبه أو أحبّ وقف معه فحسب عملا له و كان ذلك حسن خاتمته. و قال بعض هذه الطائفة في قول الله تعالى: خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ [الملك: ٢] قال: يبلوكم بتقليب القلوب في حال الحياة بخواطر الذنوب و في حال الموت بإلحاد عن التوحيد. فمن خرجت روحه على التوحيد و جاوزت البلاوي كلها إلى المبلى فهو المؤمن و ذلك هو البلاء الحسن. كما قال الله تعالى: وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً [الأنفال: ١٧] فهذه المعاني من العلوم أوجبت خوف الخائفين من علم الله تعالى فيهم فلم ينظروا معها إلى محاسن أعمالهم لحقيقة معرفتهم بربهم، و هذا الخوف هو الثواب لعلمهم بما يعلمون. فلما سلموا من مطالبة بما يعملون و صحوا على العلم ظهر لهم خوف علم الله تعالى فيهم نعمة من الله تعالى عليهم. فكان ذلك مقاما لهم. كما قال الله تعالى: قالَ رَجُلانِ من الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا [المائدة: ٢٣] قيل بالخوف. و المقام الآخر لأصحاب اليمين دون هؤلاء، خوف الجنايات و الاكتساب، و خوف الوعيد و سرّ العقاب، و خوف التقصير في الأمر و خوف مجاوزة الحدّ و خوف سلب المزيد،