قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٣ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
مما طلعت عليه الشمس. و قيل: لا يعرى من النفاق إلا ثلاث طبقات من المؤمنين: الصديقون و الشهداء و الصالحون، و هؤلاء الذين مدحهم الله تعالى بكمال النعمة عليهم، و ألحقهم بمقامات أنبيائه لكمال الإيمان و حقيقة اليقين فيهم. و قيل من أمن من النفاق فهو منافق. و كان بعضهم يقول: علامة النفاق أن يكره من الناس ما يأتي مثله، و أن يحب على شيء من الجور، و أن يبغض على شيء من الحق، و من النفاق من إذا مدح بما ليس فيه أعجبه ذلك. و علامات النفاق أكثر من أن تحصى، يقال هي سبعون علامة، و الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم في أربع هن أصولها تتشعب منها الفروع فقال عليه الصلاة و السلام «أربع من كن فيه فهو منافق خالص و إن صام و صلّى و زعم أنه مسلم، و إن كانت فيه خصلة منهن ففيه شعبة من نفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، و إذا وعد أخلف، و إذا ائتمن خان، و إذا خاصم فجر» و في لفظ آخر «إذا عاهد غدر» فصارت خمسا. و قال رجل لابن عمر رضي الله عنهما: إنا ندخل على هؤلاء الأمراء و نصدقهم بما يقولون فإذا خرجنا تكلمنا فيهم، فقال: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلّى الله عليه و سلم. و روينا عنه من طريق آخر أنه سمع رجلا يذم الحجاج و يقع فيه فقال له: أ رأيت لو كان الحجاج حاضرا أ كنت تتكلم بما تكلمت به؟ قال لا، قال: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلّى الله عليه و سلم. و أشد من ذلك أن نفرا قعدوا على باب حذيفة رضي الله عنه ينتظرونه، فكانوا يتكلمون في شيء من شأنه، فلما خرج عليهم سكتوا حياء منه، فقال: تكلموا فيما كنتم تقولون فسكتوا، فقال: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلّى الله عليه و سلم. و أعظم من هذا ما كان الحسن رحمه الله يذهب إليه، كان يقول: إن من النفاق اختلاف السر و العلانية، و اختلاف اللسان و القلب، و المدخل و المخرج. فدقائق النفاق و خفايا الشرك عن نقصان التوحيد و ضعف اليقين أوجبت المخاوف على المؤمنين خشية مقت الله تعالى، و خوف حبوط الأعمال. من ذلك كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن الرجل ليخرج من منزله و معه دينه فيرجع إلى منزله و ليس معه من دينه شيء، يلقى الرجل فيقول: إنك لذيت و ذيت و يلقى