قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٣٥ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
تعالى: وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠] في السابق نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ [فصلت: ٣١] أي نليكم و نقرب منكم في الْحَياةِ الدُّنْيا وَ في الْآخِرَةِ بالتثبيت لكم على الإيمان وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ أي أجسامكم من النعيم المقيم وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ أي ما تمنون بقلوبكم من النظر إلى الملك الرحيم. و في الخبر: التائب من الذنب كمن لا ذنب له و المستغفر من الذنب و هو مصرّ عليه كالمستهزئ بآيات الله تعالى: و كان بعضهم يقول: أستغفر الله من قولي أستغفر الله باللسان عن غير توبة و ندم بالقلب. و في خبر: الاستغفار باللسان من غير توبة و ندم بالقلب توبة الكذابين. و كانت رابعة تقول: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار فكم من توبة تحتاج إلى توبة في تصحيحها و الإخلاص من النظر إليها و السكون و الإدلال بها. فمن عقب السيئات بحسنات و خلط الصالحات بالطالحات طمع له في النجاة و رجا له الاستقامة قبل الوفاة. قال الله تعالى: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٢] أي يعطف عليهم و ينظر إليهم و قيل: خلطوا عملا صالحا و هو الاعتراف بالذنوب و التوبة المستأنفة و آخر سيّئا ما سلف من الغفلة و الجهالة. و قد كان ابن عباس يقول: غفور لمن تاب رحيم حيث رخص في التوبة. و قد قال الله تعالى وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [طه: ٨٢] أي من الشرك و آمن بالتوحيد و عمل صالحا، أدّى الفرائض و اجتنب المحارم ثم اهتدى كان على السنّة و قيل: استقام على التوبة فهذه صفات المؤمنين فلم يردّ الله تعالى المخلصين إلى ما ردّ إليه المنافقين و هو التوبة و كذلك ردّ إليها المشركين إذ لا طريق للكل إلا منها و لا وصول إلى المحبة و الرضا إلا بها. و قال تعالى في وصف المنافقين: وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ [التوبة: ١٠٦] أي مع الإصرار و إمّا يتوب عليهم أي بالاستغفار و أحكم ذلك و فصله بما شرط له. كما قال في شأن الكافرين: فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة: ٥]. و قد قرن الله تعالى الاستغفار للعبادة ببقاء الرسول للَّه في الأمة و رفع العذاب عنهم بوجوده فضلا منه و نعمة. و قال تعالى: وَ ما كانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال: ٣٣]. و كان بعض السلف يقول: كان لنا أمانان ذهب أحدهما و بقي الآخر. فإن ذهب الآخر هلكنا يعني الذي ذهب الرسول صلّى الله عليه و سلم و الذي بقي الاستغفار. و سئل سهل رحمه الله عن الاستغفار الذي يكفر الذنوب فقال: أوّل الاستغفار الاستجابة ثم الإنابة ثم التوبة فالاستجابة أعمال الجوارح و الإنابة أعمال القلوب و التوبة إقباله على مولاه و ترك الخلق. ثم يستغفر من تقصيره الذي هو فيه و من