قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٤٢ - المقام الثالث من اليقين
استفتي في فتيا إلا ودّ أن صاحبه قد كفاه ذلك. و قال مرة: أدركت ثلاثمائة يسأل أحدهم عن الفتيا أو الحديث فيرد ذلك إلى الآخر و يحيل الآخر على صاحبه و كانوا يتدافعون الفتيا ما بينهم و لم يكونوا إذا سئل أحدهم عن مسألة من علم القرآن أو علم اليقين و الإيمان يحيل على صاحبه و لا يسكت عن الجواب. و قد قال الله سبحانه: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣] فهم أهل الذكر للَّه تعالى و أهل التوحيد و العقل عن الله تعالى و لم يكونوا يتلقنون هذا العلم دراسة من الكتب و لا يتلقاه بعضهم من بعض بالألسنة إنما كانوا أهل عمل و حسن معاملات فكان أحدهم إذا انقطع إلى الله تعالى و اشتغل به و استعمله المولى بخدمته بأعمال القلوب و كانوا عنده في الخلوة بين يديه لا يذكرون سواه و لا يشتغلون بغيره فإذا ظهروا للناس فسألوهم ألهمهم الله تعالى رشدهم و وفقهم لسديد قولهم و آتاهم الحكمة ميراثا لأعمالهم الباطنة عن قلوبهم الصافية و عقولهم الزاكية و هممهم العالية فآثرهم بحسن توفيقه أن ألهمهم حقيقة العلم و أطلعهم على مكنون السر حين آثروه بالخدمة و انقطعوا إليه بحسن المعاملة فكانوا يجيبون عما عنه يسألون بحسن أثرة الله تعالى لهم و بجميل أثره عندهم فتكلموا بعلم القدرة و أظهروا وصف الحكمة و نطقوا بعلوم الإيمان و كشفوا بواطن القرآن و هذا هو العلم النافع بين العبد و بين الله تعالى و هو الذي يلقاه به و يسأله عنه و يثيبه عليه و هو ميزان جميع الأعمال. و على قدر علم العبد بربه تعالى ترجح أعماله و تضاعف حسناته و به يكون عند الله تعالى من المقربين لأنه لديه من الموقنين فهم أهل الحقائق الذين وصفهم علي عليه السلام و فضلهم على الخلائق. فقال في وصفهم القلوب أوعية و خيرها أوعاها و الناس ثلاثة: عالم رباني، و متعلم على سبيل نجاة، و همج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم و لم يلجئوا إلى ركن وثيق. العلم خير من المال، العلم يحرسك و أنت تحرس المال. و العلم يزكيه العمل و المال تنقصه النفقة. محبة العلم دين يدان به يكسبه الطاعة في حياته و جميل الأحدوثة بعد موته، العلم حاكم و المال محكوم عليه، و منفعة المال تزول بزواله. مات خزان الأموال و هم أحياء و العلماء باقون ما بقي الدهر ثم تنفس الصعداء فقال: ها إن هاهنا علما جما لو أجد له حملة بلى أجد لقنا غير مأمون يستعمل الدين في طلب الدنيا و يستطيل بنعم الله تعالى على أوليائه و يستظهر بحججه على خلقه أو منقادا لأهل الحق ينزرع الشك في قلبه بأوّل عارض من شبهة لا بصيرة له