قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦٧ - شرح مقام الشكر و وصف الشاكرين و هو الثالث من مقامات اليقين
من الشرّ لأن النفوس كنفس واحدة في الأمر بالسوء و المشيئة و القدرة واحدة فقد رحمك بما صرف عنك من السوء فذلك من فضل الله تعالى عليك فمعرفته بذلك شكر منك للَّه تعالى و أكثر عقوبات الخلق من قلة الشكر على النعم و أصل قلة الشكر الجهل بالنعمة، و سبب الجهل بالنعمة قصور العلم باللّه تعالى و طول الغفلة عن المنعم و ترك التفكر في نعمه و التذكر لآلائه. و منه سبحانه و تعالى فقد أمر بذلك في قوله تعالى: فَاذْكُرُوا آلاءَ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأعراف: ٦٩] قيل: نعمه. و قال المفسرون: و اذكروا نعمة الله عليكم و ما أنزل عليكم من الكتاب و الحكمة يعظكم به و بمعناه قوله تعالى: وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا الله عَلى ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: ١٨٥]. يعني على نعمة الهداية و توفيق الطاعة فإذا جهل العبد النعمة لم يعرفها، و إذا لم يعرفها لم يشكر عليها و إذا لم يشكر عليها انقطع مزيده، و من انقطع عنه المزيد فهو في نقصان ما ادّعى و أيضا فإن من لم يشكر النعم لجهله بها لم يؤمن عليه كفرها. فإن كفرها أدركه العذاب الشديد للوعيد إلا أن تداركه نعمة من ربه و أصول نعم المرافق للأحراث أربعة، أوّلها: النطفة التي أخرجت من خزانة الأرحام جميع البهائم و الأنام، ثم الحرث الذي أخرج من خزانة الأرض جميع الثمر، ثم الماء الذي لنا منه شراب و منه شجر، ثم النار التي فيها ضياء و مصالح الأطعمة و بها لأهل البصائر تذكرة. و هذه النّعم هي التي ذكرها المنعم في آخر سورة الواقعة و أضافها إلى نفسه عزّ و جلّ و لم يجعل فيه شريكا معه و فتح للعباد العمال أبوابها. و من أفضل النّعم و أجلّها نعمة الإيمان به سبحانه و تعالى، ثم نعمة الرسول، ثم نعمة القرآن، ثم أن جعلنا من خير أمة أخرجت للناس. و قبل ذلك أول نعمة عقلناها أن جعلنا موجودين دون سائر المعدومات، ثم جعلنا حيوانا دون سائر الموات، ثم جعلنا بشر دون سائر الحيوان ثم جعلنا ذكورا دون الإناث، ثم صوّرنا في أحسن تقويم ثم عوافي القلوب من الزيغ عن السنة و من الميل إلى دواعي النفس الأمّارة، ثم صحة الأجسام ثم كشف الستر، ثم حسن الكفاية لحاجة، ثم صنوف ما أظهر من الأزواج للأقوات، ثم تسخير الصنعة لنا ممّا بين السماء و الأرض، فهذه أمهات النعم فكلّما كثرت هذه المعاني و حسنت كثر الشكر عليهما فعظيم النّعم بها. وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لا تُحْصُوها [إبراهيم: ٣٤] و كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول: خصّ بمعرفة النّعم و بمعرفة عظيم حلم الله تعالى و ستره الصديقون.