قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١٧ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين أصول مقامات اليقين التي ترد إليها فروع أحوال المتقين تسعة، أوّلها التوبة، و الصبر، و الشكر، و الرجاء، و الخوف، و الزهد، و التوكل، و الرضا، و المحبة و هذه محبة الخصوص و هي محبة المحبوب. ذكر فروض التوبة و شرح فضائلها و وصف التوابين قال الله تعالى في البيان الأوّل من خطاب العموم: وَ تُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: ٣١] معناه: ارجعوا إليه من هوى نفوسكم و من وقوفكم مع شهواتكم عسى أن تظفروا ببغيتكم في المعاد و كي تبقوا بقاء الله عزّ و جلّ في نعيم لا زوال له و لا نفاذ و لكي تفوزوا و تسعدوا بدخول الجنة و تنجوا من النار فهذا هو الفلاح. و قال في البيان الثاني من مخاطبته الخصو يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي من تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [التحريم: ٨]، فنصوحا من النصح جاء على وزن فعول للمبالغة في النصح. و قد قرئت نصوحا بضم النون فتكون حينئذ مصدر نصحت له نصحا و نصوحا فمعناه خالصة للَّه تعالى و قيل اشتقاقه من النصاح و هو الخيط أي مجردة لا تتعلق بشيء و لا يتعلق بها شيء و هو الاستقامة على الطاعة من غير روغان إلى معصية كما تروغ الثعالب و أن لا يحدث نفسه بعود إلى ذنب متى قدر عليه و أن يترك الذنب لأجل الله تعالى خالصا لوجهه كما ارتكبه لأجل هواه مجمعا عليه بقلبه و شهوته. فمتى أتى الله عزّ و جلّ بقلب سليم من الهوى و علم خالص مستقيم على السنّة فقد ختم له بحسن الخاتمة، فحينئذ أدركته الحسني السابقة و هذا هو التوبة النصوح و هذا العبد هو التوّاب المتطهّر الحبيب و هذا إخبار عمّن سبقت له من الله الحسني و من تداركه نعمة من ربه رحمه بها من تلوث السوأى و هو وصف لمن قصده بخطابه إذ يقول في كتابه: إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]. و كما قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: التائب حبيب الله و التائب من