قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧١ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
تعالى و يرغبون إليه و الآخر يتفقهون في الدين و يعلّمون الناس فوقف بينهما ثم قال: أما هؤلاء فيسألون الله تعالى فإن شاء أعطاهم و إن شاء منعهم و أما هؤلاء فيعلّمون الناس و يفقهون في الدين و إنما بعثت معلما ثم عدل إلى الذين يفقهون الناس في الدين و يذكرون الله تعالى فجلس معهم. و يحكي عن بعض السلف قال: دخلت المسجد ذات يوم فإذا بحلقتين، أحدهما يقصون و يدعون و الأخرى يتكلمون في العلم و فقه الأعمال قال: فملت إلى حلقة الدعاء فجلست إليهم فحملتني عيناي فنمت فهتف بي هاتف أو قال لي شخ جلست إلى هؤلاء و تركت مجلس العلم أما لو جلست إليهم لوجدت جبريل للَّه عندهم. فحقيقة الذكر هو العلم باللّه تعالى. ألا تسمع إلى ما روي عن النبي صلّى الله عليه و سلم: أفضل الذكر قول لا إله إلا الله. و قال سبحانه و تعالى: في تصديق: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله [محمد: ١٩] و قال في مثله: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ الله وَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [هود: ١٤]. ثم إن العلم من الذكر علم المشاهدة و المشاهدة، صفة عين اليقين فإذا كشف غطا العين شهدت معاني الصفات بأنوارها و هو مزيد نور اليقين الذي هو كمال الإيمان و حقيقته. فهنالك ذكرت الموصوف بمشاهدة المذكور بنور وصفه: ألم تر إلى قوله تعالى: كانَتْ أَعْيُنُهُمْ في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي [الكهف: ١٠١]. فمن كانت عينه في كشف من ذكره شهد المذكور فعندها ذكر ثم توجد حقيقة العلم بعد نسيان الخلق كقوله تعالى: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [الكهف: ٢٤]. فحق الذكر نسيان ما سواه كما أن حقيقة الإيمان الكفر بكل إله كقوله تعالى فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ [البقرة: ٢٥٦]. و قال بعض أهل الحديث: جاءني رجل من إخواني من أهل المعرفة. فقال: قد وجدت من قلبي غفلة فأريد أن تحملني إلى مجلس من مجالس الذكر فقلت نعم فسمّى له مذكرا يتكلم في علوم العامة قال: فحضرنا عنده و اجتمع الخلق فأخذ في شيء من القصص و ذكر الجنة و النار فنظر إليّ صاحبي فقال أ ليس زعمت أن هذا يذكر الله و يذكر ربه عزّ و جلّ و يذكر أيامه فقلت: نعم هكذا هو عندنا فقال: ما أسمع إلا ذكر الخلق فأين ذكر الله تعالى؟ ثم توقف ساعة ينتظر منه ما يريد من علم المعرفة و مما سمعه من شيوخه الصوفية قال: فليس إلا القصص و الحكايات فالتفت إليّ و قال: قم بنا فإنه لا يسعني الجلوس لأنه لا نية لي في ذلك فقلت أما أنا فأستحي أن أتخطى الناس فاصنع أنت ما ترى فقام يتخطى الناس حتى خرج. و قد روى الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه خرج من المسجد و قال: ما أخرجني إلا القصاص و لولاه ما خرجت و قال ضمرة: قلت للثوري رحمه الله نستقبل القاص بوجهنا