قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٢ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
و يخفي لضعف المعاني و دقتها و يقوي اليقين و يظهر بقوتها لأن هذه الثلاثة مكان اليقين أحدها الإيمان و موضعه من اليقين مكان حجر النار و الثاني العلم و مكانه موضع الزناد و الثالث العقل و هو مكان الحراق فإذا اجتمعت هذه الأسباب قدح خاطر اليقين في القلب. و مثل القلب في قوته بقوة مدده و في صفائه بجودة عدده مثل المصباح في القنديل إلى مكان العقل منه و الزيت موضع العلم به و هو روح المصباح و بمدده يكون ظهور اليقين و الفتيلة مكان الإيمان منه و هي أصله و قوامه الذي يظهر بها، فعلى قدر قوة الفتيلة و جودة جوهرها يقوى اليقين و هو مثل الإيمان في قوته بالورع و كماله بالخوف و على مقدار صفاء الزيت و رقته و اتساعه تضيء النار التي هو اليقين و هو مثل العلم في مدد الزهد و فقد الهوى فصار العلم مكانا للتوحيد فتمكن الموحد في التوحيد على قدر المكان. و قد قال الله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله [محمد: ١٩] و قال تعالى: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ الله وَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [هود: ١٤] فقدم العلم على التوحيد فصار أوّله فكلما اتسع القلب بالعلم باللّه و زهد في الدنيا ازداد إيمانا و علا لأنه يرى في علوّه ما لا يراه غيره و يعلم في اتساعه ما لا يعلمه سواه فيكبر المؤمن فيكون ذلك مزيد إيمانه و قوته ثم يشهد كل ما آمن به فيكون بذلك قوة نفسه و سعة مشاهدته و كلما قصر علم القلب باللّه تعالى و بمعاني صفاته و أحكام ملكوته قلّ إيمان هذا العبد ثم أشهد ما آمن به من وراء حجاب لما غلب عليه من حب الأسباب و سمع الكلام من خلف ستر لعجزه عن المسارعة إلى البر فيضعف بذلك إيمانه و يتخيل مشاهدته و لا يتحقق فليس من علم من صفات الله سبحانه و تعالى و قدرة آياته مائة ألف معنى ثم شهدها كلها من قرب عن كشف مثل من علم منها عشرة معان ثم شهدها من بعد عن حجاب و هما مؤمنات معا لكن بين إيمانهما في القرب و العلوّ و الزيادة و النقصان كما بين العشرة إلى مائة ألف فيكون إيمان قلب المسلم معشار معشار عشر إيمان قلب الموقن و المعشار هو عشر العشر جزء من مائة جزء و يكون إيمان قلب المؤمن فيما بين ذلك من الزيادة على العشر و النقصان من مائة ألف على قدر قسمه. و مثل ذلك فيما نعقله مثل رجل قال لك: إن عندي فلانا فقد حصل لك علم أنه عنده غير أن هذا العلم غير يقين لأنه يجوز أن يكون قد اشتبه عليه أو يكون قد كان عنده ثم خرج و ليس هو الآن عنده و هذا مثل إيمان المسلم هو على علم خبر لا خبر. ثم إنك تأتي إليّ فتسمع كلامه من وراء حجاب فقد علمت الآن أنه عندي لأنك سمعت كلامه و استدللت به على كونه. إلا أن هذا العلم أيضا غير تحقيق لأن الأصوات تشتبه و الأجرام تتقارب. و لو قلت لك بعد ذلك: لم يكن عندي و إنما كان ذلك غيره أشبه صوته