قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٢ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
بفضله ما به بدأهم. و من الناس من يعيش مؤمنا و يموت كافرا فهذا موضع خوفهم عليهم و على غيرهم لمكان علمهم بهذا الحكم و لغيب حكم الله تعالى بعلمه السابق فيهم، و من الناس من يعيش كافرا و يموت مؤمنا، و منهم من يعيش كافرا و يموت كافرا، فهذان الحكمان أوجبا رجاءهم الثاني للمشترك إذا رأوه فلم يقنطوا بظاهره أيضا خوف هذا الرجاء خوفا ثانيا أن يموت على تلك الحال و أن يكون ذلك هو حقيقة عند الله تعالى، فعلم المؤمن بهذه الأحكام الأربعة ورثه الخوف و الرجاء معا، فاعتدل حاله بذلك لاعتدال إيمانه به، و حكم على الخالق بالظاهر، و وكّل إلى علام الغيوب السرائر، و لم يقطع على عبد بظاهره من الشرّ، بل يرجو له ما بطن عند الله تعالى من الخير، و لم يشهد لنفسه و لا لغيره بظاهر الخير، بل يخاف أن يكون قد استسرّ عند الله تعالى باطن شرّ، إلا أن حال التمام أن يخاف العبد على نفسه و يرجو لغيره لأن ذلك هو وجد المؤمنين من قبل أنهم متعبدون بحسن الظن، فهم يحسنون الظنّ بالناس، و يخرجون لهم المعاذير بسلامة الصدور، و تسليم ما غاب إلى من إليه تصير الأمور، ثم هم في ذلك يسيئون الظنّ بنفوسهم لمعرفتهم بصفاتها، و يوقعون الملاوم عليها و لا يحتجون لها لباطن الإشفاق منهم عليهم، و لخوف التزكية منهم لهم. فمن قلب عليه هذان المعنيان فقد مكر به حتى يحسن الظن بنفسه و يسيء ظنّه بغيره، فيكون خائفا على الناس، راجيا لنفسه، عاذرا لنفسه، محتجا لها، لائما للناس، ذامّا لهم، فهذه أخلاق المنافقين. ثم إن للراجي حالا من مقامه و لحاله علامة من رجائه، فمن علامة الرجاء عن مشاهدة المرجوّ، دوام المعاملة و حسن التقرب إليه و كثرة التقرب بالنوافل لحسن ظنّه به و جميل أمله منه، و أنه يتقبّل صالح ما أمر به تفضّلا منه من حيث كرمه، لا من حيث الواجب عليه، و لا الاستحقاق منّا و أنه أيضا يكفر سيء ما عمله إحسانا منه و رحمة من حيث لطفه بنا و عطفه علينا لأخلاقه السنيّة و ألطافه الخفيّة لا من حيث اللزوم له بل من حيث حسن الظنّ به، كما قال سفيان الثوري رضي الله عنه: من أذنب ذنبا، فعلم أن الله تعالى قدره عليه و رجاء غفرانه غفر الله عزّ و جلّ له ذنبه. قال: لأن الله تعالى غيّر قوما فقال تعالى: وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ [فصلت: ٢٣]. و قد قال سبحانه و تعالى في مثله: وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً [الفتح: ١٢] أي هلكى. ففي دليل خطابه عزّ و جلّ أنّ من ظنّ حسنا كان من أهل النجاة. و قد جاء في الأثر: إن من أذنب ذنبا فأحزنه ذلك غفر له ذنبه و إن لم سيغفر. و مقام الرجاء كسائر مقامات اليقين منها فرض و فضل. فعلى العبد فرض أن يرجو مولاه و خالقه معبوده