قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٣ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
و رازقه، من حيث كرمه و فضله، لا من حيث نظره إلى صفات نفسه و لؤمه. و قد كان سهل رحمه الله تعالى يقول: من سأل الله تبارك و تعالى شيئا فنظر إلى شيء و إلى أعماله لا يرى الإجابة حتى يكون ناظرا إلى الله تبارك و تعالى وحده و إلى لطفه و كرمه، و يكون موقنا بالإجابة. و لعمري أن من سأل الله تعالى و رغب إليه في شيء، و رجاه ناظرا إلى نفسه و عمله، فإنه غير مخلص في الرجاء له تعالى لشركه في النظر إليه، و إذا لم يكن مخلصا لم يكن موقنا، و لا يقبل الله تعالى عملا و لا دعاء إلا من موقن بالإجابة مخلص. فإذا شهد التوحيد و نظر إلى الوحدانية فقد أخلص و أيقن. و هكذا جاء في الخبر: إذا دعوتم فكونوا موقنين بالإجابة، فإن الله تعالى لا يقبل إلا من موقن و من داع دعاء بينا من قلبه، لأن من استعمله الله تعالى بالدعاء له فقد فتح له بابا من العبادة. و في الخبر: الدعاء نصف العبادة و لا يقبل الله تعالى من الدعاء إلا الناخلة بمعنى المنخول و هو الخالص. فأقل ما يعطيه من دعائه أن يكون ذلك حسنة منه، يضعفه له عشرا إلى سبعمائة ضعف، و أعلاه أن يدخر له في الآخرة ما هو خير له من جميع الدنيا و ما فيها مما لم يخطر على قلبه قطّ، و يكون ذلك حسن نظر من الله تعالى له و اختيار، و أوسط ذلك أن يصرف عنه من البلاء الذي هو لو كان علمه كان صرفه أهمّ عليه و أحبّ إليه مما سأل فيه. و قد روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: ما من داع دعا موقنا بالإجابة في غير معصية و لا قطيعة رحم، إلا إعطاه الله تعالى إحدى ثلاث، إما أن يجيب دعوته فيما سأل، أو يصرف عنه من السوء مثله، أو يدخر له في الآخرة ما هو خير له. و في أخبار موسى عليه السلام: يا ربّ أي خلقك أنت عليه أشدّ تسخطا؟ فقال تعالى: من لم يرض بقضائي، و من يستخيرني في أمر فإذا قضيت له كره ذلك. و في الخبر الآخر: إنه قال يا ربّ أي الأشياء أحب إليك و أيها أبغض؟ فقال سبحانه و تعالى: أحب الأشياء إليّ الرضا بقضائي و أبغضها إليّ أن تطري نفسك. و روينا عن نبيّنا صلّى الله عليه و سلم: أنه قال للرجل الذي قال: أوصني فقال: لا تتهم الله تعالى في شيء قضاه عليك. و في الخبر الآخر: أنه نظر إلى السماء و ضحك صلّى الله عليه و سلم فسئل عن ذلك فقال: عجبت لقضاء الله تعالى للمؤمن في كلّ قضائه له خير، إن قضي له بالسرّاء رضي، و كان خيرا له و إن قضي عليه بالضرّاء رضي به و كان خيرا له. و من حسن الظنّ باللّه تعالى لطف التملّق له سبحانه و تعالى، و هو من قوة الطمع فيه. و في خبر: حسن الظنّ باللّه عزّ و جلّ من حسن عبادة الله عزّ و جلّ. كما روينا في تفسير قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ من رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [البقرة: ٣٧] إن الكلمات هي قوله عليه السلام: يا ربّ هذا الذنب