قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢٠ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
فيقول: فنيت الأيام فلا يوم، فيقول: أخرني ساعة فيقول فنيت الساعات فلا ساعة، قال: فتبلغ الروح الحلقوم فيؤخذ بكظمه عند الغرغرة فيغلق باب التوبة و يحجب عنه و تنقطع الأعمال و تذهب الأوقات و تتصاعد الأنفاس يشهد فيها المعاينة عند كشف الغطاء فيحتد بصره فإذا كان في آخر نفس زهقت نفسه فيدركه ما سبق له من السعادة فتخرج روحه على التوحيد فذلك حسن الخاتمة أو يدركه ما سبق له من الشقوة فتخرج روحه على الشرك فهذا الذي قال الله عزّ و جلّ: وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨]. فهذا سوء الخاتمة نعوذ باللّه منه و قيل: هذا هو المنافق و يقال: المدمن على المعاصي المصرّ عليها. و قد قال الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ من قَرِيبٍ [النساء: ١٧]. قيل: قبل الموت و قبل ظهور آيات الآخرة و قبل الغرغرة أي تغرغر النفس في الحلقوم لأنه تعالى قد حكم أن التوبة بعد ظهور إعلام الآخرة لا تقبل. و منه قوله عزّ و جلّ: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ [الأنعام: ١٥٨] يعني من قبل معاينة الآيات أو كسبت في إيمانها خيرا قيل: التوبة هي كسب الإيمان و أصول الخيرات و قيل: الأعمال الصالحة هي مزيد الإيمان و علامة الإيقان و قد قيل: ثم يتوبون من قريب أي عن قريب عهد بالخطيئة لا يتمادى فيها و لا يتباعد عن التوبة و توبته من قريب أن يعقب الذنب عملا صالحا و لا يردفه ذنبا آخر و أن يخرج من السيئة إلى الحسنة و لا يدخل في سيئة أخرى و قيل: أول من يسأل الرجعة من هذه الأمة من لم يكن أدى زكاة ماله أو لم يكن حجّ بيت ربه فذلك تأويل قول الله تعالى: فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ من الصَّالِحِينَ [المنافقون: ١٠]. و كان ابن عباس رضي الله عنه يقول: هذه الآية من أشد شيء على أهل التوحيد هذا لقوله تعالى في أوّلها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله [المنافقون: ٩]. و قد قيل: لا يسأل عبد الرجعة عند الموت و له عند الله عزّ و جلّ مثقال ذرة من خير. و روينا بمعناه من كان له في الآخرة مثقال ذرة من خير لو أن له الدنيا بما فيها من أوّلها إلى أخرها لم يحب أن يعود إلى الدنيا. و قال بعض العارفين: إن للَّه تعالى إلى عبده سرّين يسرهما إليه يوجده ذلك بإلهام يلهمه، أحدهما إذا ولد و خرج من بطن أمه يقول له: عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا نظيفا و استودعتك عمرك ائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة و انظر كيف تلقاني كما أخرجتك، و سرّ عند خروج روحه يقول: عبدي ما ذا صنعت في أمانتي عندك هل حفظتها حتى تلقاني على العهد و الرعاية فألقاك بالوفاء