قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٣ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا و قد فرقت العلماء بين العلم باللّه تعالى و بين العلم بأمر الله تعالى و فرقوا بين علماء الدنيا و علماء الآخرة. فقال سفيان: العلماء ثلاثة، عالم باللّه و بأمر الله فذلك العالم الكامل، و عالم بالله تعالى فذاك التقيّ الخائف، و عالم بأمر الله تعالى غير عالم باللّه تعالى فذاك العالم الفاجر. و قيل أيضا: عالم للَّه تعالى و هو العامل بعلمه، و عالم بأيام الله تعالى و هو الخائف الراجي. و سئل سفيان عن العلم ما هو؟ فقال هو الورع. قيل: و أي شيء هو الورع؟ فقال: طلب العلم الذي يعرف به الورع و هو عند قوم طول الصمت و قلة الكلام و ما هو كذلك إنما هو المتكلم العالم عندنا أفضل من الصامت. و روينا عن لقمان في وصيته: للعلم ثلاث علامات. العلم باللّه و بما يحبه الله تعالى و بما يكره فجعل حقيقة العلم و دليل وجوده هذه الثلاث. و مما يدلك على الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة أن كل عالم بعلم إذا رآه من لا يعرفه لم يتبين عليه أثر علمه و لا عرف أنه عالم إلا العلماء باللّه عزّ و جلّ فإنما يعرفون بسيماهم للخشوع و السكينة و التواضع و الذلة. فهذه صبغة الله تعالى لأوليائه و لبسته للعلماء به. و من أحسن من الله صبغة فمثلهم في ذلك كمثل الصناع إذ كل صانع لو ظهر لمن لا يعرفه لم يعرف صنعه دون سائر الصنائع و لم يفرق بينه و بين الصناع إلا الصناع، فإنه يعرف بصنعته لأنها ظاهرة عليه إذ صارت له لبسة و صفة لالتباسها بمعاملته. فكانت سيماه كما قيل: ما ألبس الله تعالى عبدا لبسة أحسن من خشوع في سكينة هي لبسة الأنبياء و سيما الصديقين و العلماء فاعلم الناس بلطف ما يحب الله تعالى و خفي ما يكره أهل القلوب الفاقهة عن الله تعالى و هم العارفون به. و قد كان سهل رحمه الله يقول: العلماء ثلاثة، عالم باللّه تعالى، و عالم للَّه تعالى و عالم بحكم الله تعالى يعني العالم باللّه تعالى العارف الموقن، العالم للَّه عزّ و جلّ هو العالم بعلم الإخلاص و الأحوال و المعاملات، و العالم بحكم الله تعالى هو العالم بتفصيل الحلال و الحرام فسرنا ذلك على معاني قوله و معرفة مذهبه. و قد قال مرة في كلام