قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٢ - بيان آخر في فضل علم الباطن على الظاهر
أقرب الناس من درجة النبوّة أهل العلم و أهل الجهاد أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل و أما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل. ألا تراه كيف جعل العلم دالا على الله تعالى كالجهاد. و كذلك جاء في الخبر: أول من يشفع الأنبياء ثم الشهداء. و في الخبر: للأنبياء على العلماء فضل درجة و للعلماء على الشهداء فضل درجتين. و قال ابن عباس في معنى قوله عزّ و جلّ: يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: ١١]. قال: للعلماء درجات فوق الذين آمنوا بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين خمسمائة عام. و قال ابن مسعود: لما مات عمر رضي الله عنهما: إني لأحسب أنه ذهب بتسعة أعشار العلم فقيل: تقول هذا و فينا جله الصحابة فقال: ليس أعني العلم الذي تريدون إنما أعني العلم باللّه تعالى. فجعل العلم بالمعلومات غير حقيقة العلم و فضل العلم باللّه تعالى بتسعة أعشارها و ليس يزيد علم الظاهر على الأعمال كثير زيادة إذ هو من الأعمال الظاهرة لأنه صفة اللسان و لأنه للعموم من المسلمين. فأعلى مقاماته الإخلاص فإن فاتهم فهو دنيا كسائر الشهوات و الإخلاص هو أول حال العالم بالله تعالى بالعلم الباطن و لا نهاية لمقاماتهم إلى أعلى مقامات العارفين و درجات الصديقين.